الّذين ظلموا بالشّرك والمعاصي وظلموا أنفسهم بالخسران وظلموا الآخرين بإضلالهم.
﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٤) من سورة السّجدة لبيان معنى: ذوقوا عذاب النّار.
ولا بد من مقارنة هذه الآية (٤٢) من سورة سبأ وهي قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، والآية (٢٠) من سورة السّجدة وهي قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾:
في آية سبأ: الّذين ظلموا يكذبون بوجود النّار أصلاً؛ أي: ينكرون ويجحدون بوجود النّار (أي يكفرون بها وبكلّ شيء يذكر عنها) فيقال لهم: ذوقوا عذاب النّار الّتي كنتم بها تكذبون.
أمّا في آية السّجدة: الّذين فسقوا يقال لهم: ذوقوا عذاب النّار الّذي كنتم به تكذبون؛ أي: هم يؤمنون بوجود النّار ولكنهم ينكرون أنّهم من أهلها وسيعذبون بها، فتكذيبهم ليس للنار بل للعذاب نفسه، ولذلك جاء باسم الموصول الّذي العائد إلى العذاب.
والظّلم أشد وأعظم ذنباً وإثماً من الفسق، فأعلى الدّرجات هي الكفر ثمّ الظّلم (الشّرك) ثمّ الفسق.
المناسبة: بعد قوله: ذوقوا عذاب النّار الّتي كنتم بها تكذبون، ولم تكذبوا بالنّار فقط بل كذبتم كذلك برسولنا محمّد ﷺ وكذبتم بالقرآن وآياته حين كانت تتلى عليكم.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: وإذا: الواو استئنافية، إذا: ظرفية شرطية تفيد الحتمية حتمية حدوث ما يذكر بعدها وهي التّلاوة، تتلى: من التّلاوة: والتّلاوة تخص القرآن وآياته وهي: قراءة الآيات الآية تلو الأخرى، وتتلى بصيغة المضارع تدل على التّجدد والتّكرار، بينما "تليت عليهم آياته" تعني مرة واحدة، عليهم: على المشركين والكفار، آياتنا: آيات القرآن الحكيم، وقوله: "آياتنا" تفيد الشّرف شرف هذه الآيات وقدرها العظيم عند الله تعالى ولم يقل وإذا تتلى عليهم الآيات، بينات: واضحات الدّلالة وظاهرات المعنى.
﴿قَالُوا﴾: أي الّذين كفروا وأشركوا.
﴿مَا هَذَا﴾: ما: للنفي، وغالباً ما تكون لنفي الحال وقد تنفي غيره وأقوى في النّفي من ليس، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب وتعني النّبي رسول الله ﷺ وهم لا يقولون النّبي أو الرّسول وإنما: رجل.
﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾: إلا: أداة حصر، رجل: أي محمّد ﷺ، رجل: بصيغة النّكرة ينكرون نبوته؛ أي: هو رجل كأيّ رجل وليس له أيّ مزية خاصة، ونسوا أنّهم كانوا يلقبونه: الصّادق الأمين.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد والتّعليل، يصدكم: من الصّد: أي المنع؛ أي يمنعكم أو يصرفكم، والصّد يعني: المنع مع النّية والقصد، والمنع قد يكون مع القصد أو بدون قصد.
﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: عن تفيد المجاوزة والمباعدة، أي يبعدكم عن، ما: للعاقل وغير العاقل، وهي اسم موصول بمعنى الّذي يعبد (أنزل الأصنام منزلة العقلاء) لأنّهم يعبدونها ويظنون أنها تشفع لهم، كان: للماضي والحاضر، آباؤكم: من الأصنام والأوثان والآلهة واللات والعزى.
﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى﴾: ارجع إلى مطلع الآية، إلا: أداة حصر، إفك مفترى: أي القرآن ما هو إلا كذب متعمد مفترى؛ أي: لا حقيقة له، أي مختلق، والإفك يعني في الأصل: قلب الحقيقة، وقد بيّن ذلك في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: للقرآن والرّسول أو لدين الإسلام، لما: ظرفية زمانية بمعنى: حين جاءهم، للحق: اللام لام التّوكيد، والحق هو: الصدق والأمر الثّابت الّذي لا يتغير، والذي ليس هناك غيره.
﴿إِنْ هَذَا﴾: إن نافية وأشد نفياً من ما وليس ولا.
﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: إلا أداة حصر؛ أي: القرآن أو الرّسول سحر لما رأوا تأثيره القوي في النّفوس والقلوب وكانوا يظنون أن كلّ شيء خارق للعادة سحر كما يؤثّر السّحر في الأنفس.