فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾؟ قلت: هو نحو قولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه، تريد: أكرمني في جملة من أكرم منهم، ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم.
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾: وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز. وقيل: نزلت في أبي بكر ﵁، وفي أبيه أبي قحافة، وأمّه أم الخير، وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم. وقيل: لم يكن أحد من الصحابة، من المهاجرين منهم والأنصار، أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.
قوله: (لأن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾﴿ونَتَجَاوَزُ﴾: وعد من الله تعالى): الراغب: "التقبل: قبول الشيء على وجه يقتضي ثوابًا كالهدية ونحوها"، وقال الواحدي ومحيي السنة: "الأحسن: بمعنى: الحسن"، وقال القاضي: " ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يعني: طاعاتهم، فإن المباح حسن ولا يثاب عليه".
قوله: المراد بـ"الذي قال": الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعًا): الانتصاف: "وفي الآية رد على من زعم أن المفرد الجنسي لا يعامل معاملة الجمع، لا في الصفة، ولا في، فلا يقال: الدينار الصفر خير من الدرهم البيض".
وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة: هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمّه أمّ رومان إلى الإسلام، فأفف بهما، وقال: ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو، وهما من أجداده، حتى أسألهما عما يقول محمد.
ويشهدوا لبطلانه أن المراد بـ"الذي قال": جنس القائلين ذلك، وأنّ قوله: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم، وعن عائشة ﵂ إنكار نزولها فيه، وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية، تبايعون لأبنائكم، فقال مروان: يا أيها الناس، هو الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فسمعت عائشة، فغضبت، وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله.
قلت: يمكن أن يرد بهذا قول صاحب "المفتاح" حيث قال: "امتنع لوجوه كثيرة لا تخفى على متقني أنواع الأدب، أدناها: وجوب نحو: الرجل الطوال، والفرس الدهم، أو صحته لا أقل، على الاطراد، وكل ذلك على ما ترى فاسد".
قوله: (وعن عائشة ﵂ إنكار نزولها فيه): عن البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ شيئًا، فقال: فخذوه، فدخل بيت عائشة ﵂، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾، فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: "ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا ما أنزل في سورة النور من براءتي".
وقرئ: "أف": بالكسر والفتح بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال: حس، علم منه أنه متوجع. واللام للبيان، معناه: هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما.
النهاية: "قال عبد الرحمن: "أجئتم بها هرقليةً وقوقية! "، أراد: أن البيعة لأولاد الملوك سنة ملوك الروم والعجم، وهرقل: اسم ملك الروم"، "وقالت عائشة ﵂ لمروان: أن النبي ﷺ لعن أباك، وأنت فضض من لعنة الله"، أي: قطعة وطائفة منها".
قوق: اسم ملك من ملوك الروم، قال في "الفائق": "هرقل: كان من ملوك الروم، وهو أول من ضرب الدنانير، وأول من أحدث البيعة، يريد: أن البيعة للأولاد من عادتهم. الفضض: فعل بمعنى: مفعول؛ من: فض: إذا كسر، أي: أنت طائفة من اللعنة فضضت منها، وروي: فضيض وفضض، والفضض: جمع فضيض، وهو الماء العريض، افتضضت الماء: أخذته ساعة يخرج، كورد جني، وصبي وليد، أي: قريبي العهد من الجني والولادة، أي: سلت من اللعنة حديث عهد بها".
قوله: (وقرئ: "أف" بالكسر والفتح): نافع وحفص: ﴿أُفٍّ﴾ بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون: بكسر الفاء من غير تنوين.
قوله: (وقرئ: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾): هشام: "أتعدان" بنون واحدة مشددة، والباقون: بنونين مكسورتين، قال الزجاج: "ويجوز تعداني" بالإدغام، وإن شئت أظهرت النونين، وإن شئت