المعنى: نزَّه الله عما لا يليق به ما في السموات وما في الأَرض. وذلك يعم جميع ما كان مستقرًّا فيهما، وما كان من أَجزائهما حيث أُريد به معنى عام شامل لكل ما نطق بلسان المقال كالملائكة والمؤمنين من الثقلين، وما نطق بلسان الحال كغيرهم، وهو المراد من قوله - تعالى -: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (¬١)، وذكرت اللام في لفظ الجلالة مع الفعل المتعدي وهو سبَّح إِما للتأكيد أَو للتعليل بمعني فعل التسبيح لأَجل الله - تعالى - وخالصا لوجهه. وبدئت بعض السور بلفظ سبح وبعضها بلفظ يسبح للإِيذان بتحقق التسبيح في جميع الأَوقات (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الذي لا يُغالب ولا يُمانع ولا يعجزهُ شيءٌ كائنا ما كان، ولا يفعل إلاَّ ما تقتضيه الحكمة.
وكرر الموصول هنا فقيل: (مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) لزيادة التقرير والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح.
روي أَنه ﵊ لمَّا قدم المدينة صالح بني النضير وهم رهط من اليهود من ذرية هارون ﵇ نزلوا بالمدينة في فتن بني إِسرائيل انتظارا لبعثة النبي ﷺ وفي صلحه معهم عاهدهم أَن يكونوا لا له ولا عليه. فلما ظهر ﵊ على المشركين يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رواية، فلما كان يوم أُحد ما كان ارتابوا ونكثوا العهد فخرج كعب بن الأَشراف زعيمهم في أَربعين راكبا إِلي مكة فخالفوا قريشا عند الكعبة على قتاله ﵊ فأَمر رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الأَنصاري فقتل كعبا غيلة وكان أَخاه من الرضاعة ثم صبحهم ﵊ بالكتائب فقال لهم: اخرجوا من المدينة فاستمهلوه عشرة أَيام ليتجهزوا للخروج، فدس عبد الله بن أُبي المنافق وأَصحابه من قال لهم: لا تخرجوا من الحصن فإِن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فسدوا الأَزقة وحصنوها فحاصرهم النبي ﵊ إِحدي وعشرين ليلة فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وأَيسوا من نصر المنافقين لهم طلبوا الصلح، فأبى ﷺ إلاَّ الجلاءَ على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير. يحملون ما شاءُوا من متاعهم. فجلوا إِلى الشام إِلى أَريحا وأَذرعات إلاَّ أَهل بيتين منهم هما آل أَبي الحقيق وآل حيي بن أَخطب فإِنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، فأَنزل الله: - تعالى - (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) إلي قوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله - تعالى -:
هذه الآية بيان لبعض آثار عزته تعالى، وإحكام حكمته إثر وصفه - تعالى - بالعزة القاهرة والحكمة البالغة على الإِطلاق في الآية السابقة، وعلى هذا فالضمير راجع إِلى الله ﷾.