أي لن يدخلها أحد بسبب عمله - وحده - دون فضل الله وهدايته، فإنه - تعالى - خالق النفس ومانحها القوَّة على العبادة، وموفِّقها إليها. فإذا كافأَنا على العبادة بالجنة، فذلك منه تعالى. هو الفضل والمنَّة.
بعد أن بَيَّن الله تعالى سعادة أهل الجنة بنعيمها، ذكر في هذه الآية، ما يحدث منهم من الشماتة فيمن كانوا يستعلون عليهم في الدنيا من الكافرين. وذكر - كذلك - لعن الله للظالمين.
والمعنى: ونادى أصحاب الجنة من المؤْمنين - بعد استقرارهم فيها وفرحهم بها - أصحاب النار من الكافرين - وهم يصطلون بحرِّها - يقولون لهم في ندائهم: قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا من النعيم المقيم حقا .... فهل وجدتم ما توعدكم الله به من العذاب حقا؟! قالوا متحسرين يائسين: نعم .... وجدناه حقا.
فنادى منادٍ - بين أهل الجنة وأهل النار - قائلا: لعنة الله تعالى، واقعة على الظالمين لأنفسهم بكفرهم، وطَرْدُهُ ﷾ إيَّاهم من رحمته، بسبب نفريطهم وجنايتهم على فطرتهم.
واختلف في هذا المنادِى فقيل: هو مالك خازن النار .... وقيل: هو صاحب الصور. وقيل: هو ملك غيرهما.
وأَيًّا ما كان، فنداؤُه بأَمر الله تعالى.
والغرض من ندائه، إِدخال السرور على أَصحاب الجنة بتعذيب أعدائهم أعداءِ الله تعالى. ومضاعفة حسراتهم، بما ظلموا.
أَي لعنة الله على الظالمين، الذين يصرفون الناس عن سبيل دينه القويم، ويصرفونهم عن الإيمان به، بإلقاءِ الشبه في أدلته، ويطلبون لها العوج، بأَن تكون على هواهم: تقرّ الشرك، وتدعو إلى ما هم عليه من باطل. وهم بالآخرة كافرون، فلا يُقِرُّون ببعثٍ ولا جزاءٍ.
المراد بالحجاب: السور الذي يفصل بين الجنة والنار، ويمنع أَثر كلتيهما عن الأُخرى ....
وشئون الآخرة لا تقاس بشئون الدنيا .. والأَعراف: أَعالى الحجاب الذي ضرب بين الجنة والنار وهي جمع عُرْف. وهو المكان المرتفع من الشئِ. أَي أَعلى موضع منه. فهو أَعرف ممّا انخفض منه. ومنه عُرف الديك. وعرف الفرس.
والمعنى: وبين الجنة والنار، سور يحجب أَثر كلتيهما عن الأُخرى. وعلى أَعالى هذا السور، رجال يعرفون كلا من أَهل الجنة والنار في المحشر بسيماهم - أي بعلاماتهم المميزة لهم.
واختلف في هؤُلاءِ الرجال الذين يعتلون الأَعراف.
فقيل: هم من الموحدين: "قصرت بهم سيئاتُهم عن الجنة، ومنعتهم حسناتُهم من النار: فجعلوا هناك، حتى يقضى بين الناس. فبينما هم كذلك، إِذ اطلع عليهم ربُّهم، فقال لهم: قُومُوا فادْخُلُوا الجنة فَإنِّى غَفَرْتُ لَكُمْ" أَخرجه أَبوَ الشيْخ والبَيْهَقِىّ من حُذَيْفة.
وإلى هذا. ذهب جمع من الصحابة والتابعين.
وقيل: هم الأَنبياءُ، ﵈: أجلسهم اللهُ على أَعالى ذلك السور، تمييزًا لهم عن سائر أَهل القيامة، وإظهارًا لشرفهم وعُلُوِّ مرتبتهم.
وقيل: هم عدول الناس من كلِّ أمة. جعلهم الله شهداءَ على أَعمال أَقوامهم.