(أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) أقل منهما؛ وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل؛ لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت، قل ما بينهما من الأحياز؛ وإذا بعدت كثر ذلك. وقرئ: () بالنصب على: أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث،
وخَشيتها من وُقوعه، كأنها مرفوعة مُنفطرة به، كقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أي: ثَقُلت الساعة فيها، لأن كل شيء لا يُطيقها ولا يقوم لها، فهي ثقيلة فيها.
قوله: (وقُرئ: ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ بالنصب)، الكوفيون وابن كثير: بنصبهما، والباقون: بالخفض، قال أبو البقاء: "بالجر حملاً على ﴿ثُلُثَيِ﴾، وبالنصب حملاً على ﴿أَدْنَى﴾ ".
وهو مطابق لما مر في أوّل السورة، من التخيير بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه وهو الثلث، وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين. وقرئ: «ونصفه وثلثه» بالجر، أي: تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين النصف: وهو أدنى من الثلثين، والثلث: وهو أدنى من النصف، والربع: وهو أدنى من الثلث، وهو الوجه الأخير.
(وطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ويقوم ذلك جماعة من أصحابك (واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ) ولا يقدر على تقدير الليل والنهار ومعرفة مقادير ساعاتهما إلا الله وحده؛ وتقديم اسمه ﷿ مبتدأ مبنياً عليه (يُقَدِّرُ): هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير؛ والمعنى: أنكم لا تقدرون عليه، والضمير في (لَّن تُحْصُوهُ) لمصدر «يقدر»، أي: علم أنه لا يصح منكم ضبط الأوقات، ولا يتأتى حسابها بالتعديل والتسوية،
قوله: (وهو مطابق لما مرَّ في أول السورة) أي: في الوجه الثاني من الوجوه المذكورة في قوله: ﴿قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (نِّصْفَهُ﴾ الآية.
قوله: (وهو مطابق) إلى قوله: (وهو الوجه الأخير) أي: الوجه الرابع من الوجوه.
قوله: (وتقديم اسمه تعالى [مبتدأ] مبنياً عليه ﴿يُقَدِّرُ﴾: هو الدال على [معنى] الاختصاص، هذا خلاف رأي صاحب "المفتاح"، حيث قال: "لا يكون لقولنا: زيد عرف. غير احتمال الابتداء، اللهم إلا بذلك الوجه البعيد، فلا يرتكب عند المعرَّف لكونه على شرط الابتداء؛ وإنما يرتكب عند المُنكر لفوات الشرط". وجوابه ما سبق في سورة الرعد في قوله: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦]، ان إفادة الاختصاص من خصوصية الاسم جامع
إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط، وذلك شاق عليكم بالغ منكم. (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر، كقوله: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) [البقرة: ١٨٧].
والمعنى: أنه رفع التبعة في تركه عنكم، كما يرفع التبعة عن التائب. وعبر عن الصلاة بالقراءة لأنها بعض أركانها، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود، يريد: فصلوا ما تيسر عليكم، ولم يتعذر من صلاة الليل؛ وهذا ناسخ للأوّل،
مع التركيب، لما تجد التفاوت بين ما عليه التلاوة وقولنا: يُقدر الله الليل، وكذا بين قولنا: زيد يَجود، وحاتم يجود.
قوله: (ولم يتعذر من صلاة الليل)، أي: صلوا ما بَعُد من صلاة الليل، وما لم يُنسبوا إلى التقصير فيها، كما تقول: هذا لم يتعذر عليَّ، أي: هو سهل عندي، لأني لم أُقصر في تخصيله. الجوهري: "التعذير في الأمر: التقصير فيه".
قوله: (وهذا ناسخ للأول)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل ومسلم وأبي داود والدرامي وابن ماجه والنسائي، عن سعد بن هشام، قال: قلت لعائشة ﵂: يا أُمَّ المؤمنين، أنبئيني عن خُلُق رسول الله? ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خُلُق نبي الله القرآن. قال: فَهَممت أن أقوم، ولا أسأل عن شيء حتى أموت. ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله? ، قالت: ألست تقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله قد افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله? وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثنى عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف، وقام قيام الليل تطوعاً".