﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ما: في موضع رفع مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾: خبره، و ﴿مُعْرِضِينَ﴾: حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ والعامل: ما في ﴿لَهُمْ﴾ من معنى الفعل. و ﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾، و ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾: في موضع الحال بعد حال، أي مشابهين حمرا مستنفرة، أي نافرة.
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد.
المفردات اللغوية:
﴿رَهِينَةٌ﴾ مرتهنة عند الله بعملها، إما خلّصها وإما أوبقها، وليست رهينة تأنيث رهين، لتأنيث النفس؛ لأنه لو قصدت الصفة لقيل (رهين) لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هو اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهين، والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله، غير مفكوك، ولا يرتهن الله تعالى أحدا من أهل الجنة.
﴿أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، فلا يرتهنون بذنوبهم، وقد فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم. ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين لا تدرك حقيقتها. ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يسأل بعضهم بعضا:
أو يسألون غيرهم عن حالهم. ﴿ما سَلَكَكُمْ﴾ أدخلكم. ﴿سَقَرَ﴾ جهنم. ﴿نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ نخالط أهل الباطل في باطلهم. ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم البعث والجزاء. ﴿الْيَقِينُ﴾ الموت.
﴿الشّافِعِينَ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين. ﴿مُعْرِضِينَ﴾ عن التذكير، والمعنى: أي شيء حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ.
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ مثل الحمير الوحشية التي هربت من الأسد أشد الهرب، شبههم في إعراضهم ونفورهم عن استماع الذكر بحمر. ﴿صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ أي قراطيس منشورة مبسوطة، تنشر وتقرأ، وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ: لن نتبعك حتى تأتي كلامنا بكتاب من السماء فيه من الله إلى فلان: أن اتبع محمدا.
﴿كَلاّ﴾ ردع لهم عن اقتراحهم الآيات. ﴿بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ فلذلك أعرضوا عن التذكرة، لا لامتناع إيتاء الصحف. ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ردع لهم عن إعراضهم، فإن القرآن تذكرة كافية. ﴿فَمَنْ شاءَ﴾ أن يذكره. ﴿ذَكَرَهُ﴾ قرأه، فاتعظ به. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى﴾ حقيق بأن يتقى عقابه. ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ حقيق بأن يغفر لمن اتقاه.
﴿بَلْ يُرِيدُ.﴾.: أخرج ابن المنذر عن السّدّي قال: قالوا: لئن كان محمد ﷺ صادقا، فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار، فنزلت: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾.
وفي رواية: أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لن نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء، عنوانه، من رب العالمين إلى فلان بن فلان، ونؤمر فيه باتباعك (¬١).
المناسبة:
بعد أن توعد الله الكفار والعصاة، وهددهم بأن النار إحدى الدواهي والبلايا العظام، وأنذرهم بأن النجاة مربوطة بالعمل الصالح، أكد المعنى المتقدم بأنه ليس لكل امرئ إلا جزاء عمله، وأخبر أن أصحاب اليمين ناجون، وأن المجرمين معذبون، ووصف الحوار الدائر بين الفريقين لمعرفة سبب دخول الفريق الثاني نار جهنم.
التفسير والبيان:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أي كل نفس مأخوذة بعملها، مرتهنة به، معتقلة بما قدمته من عمل يوم القيامة، فإن كان خيرا خلّصها وأعتقها، وإن كان شرّا أوبقها.
﴿إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ أي باستثناء المؤمنين الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم، بل يطلق سراحهم بما أحسنوا من أعمالهم.