بين سبحانه حال الفريقين وأَنه تعبَّد العقلاء وكلَّفهم ومكَّنهم ممَّا أَمرهم به، فمن كفر فله العقاب، ومن وحّد وشكر فله الثواب، وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله عمَّا أَعدَّه وهيَّأَه للكافرين به من خلقه سلاسلَ يقادون بها في جهنم، كل سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا كما في سورة (الْحَاقَّة)، وأَغلالًا تُغَلّ بها وتقيد أَيديهم إِلى أَعناقهم وكان أَبو الدرداءِ يقول: ارفعوا هذه الأَيدي إِلى الله قبل أضن تُغَلّ بالأَغلال، قال الحسن: تجعل الأَغلال في أَعناق أَهل النار لا لأَنهم أَعجزوا الله، ولكن إِذلالًا لهم، كما أَعَدَّ تعذيبًا لهم نارًا موقدة مُسَعَّرة بها يُحرقون، وتقديم وعيدهم مع تأَخرهم في الذِّكر في قوله تعالى: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) للجمع بينهما في الذِّكر كما في قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) (¬١)، ولأَن الإِنذار أَنسب بالمقام، وحقيق بالاهتمام، ولأَن تصدير الكلام وختمه بذكر المؤْمنين أَنسب، ولَمَّا ذكر ما أَعده لهؤلاءِ الأَشقياءِ من العذاب والسعير قال بعده:
شروع في بيان حسن الشاكرين إِثر بيان سوءِ حال الكافرين (وَالأَبْرَارَ) جمع بار أَو بَرّ وهو المطيع المتوسع في فعل الخير، وقيل: من يؤدي حق الله ويوفي بالنذر -هؤلاءِ الأَبرار يشربون في الآخرة من خمر أَو من زجاجة بها خمر، (كَانَ مِزَاجُهَا): أَي ما تمزج
قال ابن كثير: أَي هذا الذي مزج لهؤلاءِ الأَبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفًا بلا مزج ويروون بها، وقوله تعالى: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): أَي يتصرفون فيها حيث شاءُوا، وأَين شاءُوا من قصورهم وديارهم ومجالسهم ومحالهم، ويُجْرونها كما أَرادوا إِجراء سهلًا لا يمتنع عليهم.
استئناف مسوق لبيان ما لأَجله يرزقون هذا النعيم، مشتمل على نوع تفصيل لما ينبئ عنه اسم الأَبرار إِجمالًا، كأَنه قيل: ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك الرتبة العالية، فقيل: (يُوفُونَ … ) إِلخ وأُفيد أَنه استئناف للبيان ومع ذلك فلعل السر في أَنه عدل عن أَوفوا إِلى المضارع (يُوفُونَ) للاستحضار والدلالة على الاستمرار.
والوفاءُ بالنذر: كناية عن أَداءِ الواجبات كلها فإِن من أَوفى بما أَوجبه على نفسه كان إِيفاؤه بما أَوجبه الله تعالى عليه أَهم له وأَحرى، وجعل هذا كناية هو الذي يقتضيه ما روى عن قتادة حيث قال: يوفون بما فرض عليهم من الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الواجبات، وعن عكرمة ومجاهد إِبقاؤه على الظاهر: أَي إِذا نذورا طاعة فعلوها، ولا يخلفون إِذا نذروا، والنذر ما أَوجبه المكلف على نفسه من شيءٍ يفعله (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا): أَي يخافون يومًا كان عذابه وضرره البالغ فاشيًا منتشرًا في الأَقطار غاية الانتشار، من استطار الحريق والفجر، وفي وصفهم بذلك إِشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم المعاصي لأَنهم يتركون المحرمات التي نهاهم الله عنها خيفة من سوءِ الحساب يوم الميعاد، وهو اليوم الذي ضرره خطير وشره مستطير: أَي منتشر عام على الناس إِلاَّ من رحم الله. قال قتادة: استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأَ السموات والأَرض.