يتحقق الحصر المفهوم من كلمة ﴿إِمّا﴾ بل المراد من الشاكر: الذي يكون مقرا معترفا بوجوب شكر خالقه عليه والمراد من الكفور: الذي لا يقرّ بوجوب الشكر عليه إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه وإن كان يثبته لكنه ينكر وجوب الشكر عليه وحينئذ يتحقق الحصر: وهو أن المكلف: إما أن يكون شاكرا وإما أن يكون كفورا. وبهذا يرد على الخوارج الذين احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين المطيع والكافر لأن الشاكر هو المطيع والكفور هو الكافر (¬١).
﴿كافُوراً﴾ أو على التمييز أو لقيامه مقام مفعول محذوف ل ﴿يَشْرَبُونَ﴾ تقديره: يشربون من كأس ماء عين أو على البدل من ﴿كَأْسٍ﴾ على الموضع أو على الحال من ضمير ﴿مِزاجُها﴾ وفيه خلاف أو منصوب بتقدير أعني. و ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ الباء إما بمعنى «من» أي يشرب منها أو زائدة أي يشرب ماءها؛ لأن العين لا تشرب وإنما يشرب ماؤها.
البلاغة:
﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ﴾ لف ونشر مشوّش فإنه تعالى قال: ﴿شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ ثم أعاد بالذكر على الثاني دون الأول.
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ جناس اشتقاق.
﴿يَوْماً عَبُوساً﴾ مجاز عقلي إسناد العبوس إلى اليوم من إسناد الشيء إلى زمانه مثل:
نهاره صائم.
﴿فَوَقاهُمُ﴾ و ﴿لَقّاهُمْ﴾ جناس غير تام.
المفردات اللغوية:
﴿أَعْتَدْنا﴾ هيأنا. ﴿سَلاسِلَ﴾ قيودا توضع في الأرجل يسحبون بها إلى النار.
﴿وَأَغْلالاً﴾ أطواقا وقيودا توضع في الأيدي وتجمع إلى أعناقهم جمع غلّ: وهو القيد.
﴿وَسَعِيراً﴾ نارا مسعّرة بها يحرقون ويعذبون.
﴿الْأَبْرارَ﴾ أهل الطاعة والإخلاص جمع برّ والبررة جمع بارّ كما جاء في الصحاح.
﴿كَأْسٍ﴾ قدح أو إناء زجاجة فيها خمر والمراد: من خمر تسمية للحالّ باسم المحل و ﴿مِنْ﴾: للتبعيض. ﴿مِزاجُها﴾ ما تمزج به. ﴿كافُوراً﴾ طيب معروف له رائحة جميلة.
﴿يَشْرَبُ بِها﴾ أي منها. ﴿عِبادُ اللهِ﴾ أولياؤه. ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ يقودونها ويجرونها حيث شاؤوا إجراء سهلا ويخرجونها من الأرض والمراد أنها تحت تصرفهم وأمرهم.
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾﴿بِالنَّذْرِ﴾: التزام قربة لله تعالى والمراد يؤدون ما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات. ﴿شَرُّهُ﴾ شدائده. ﴿مُسْتَطِيراً﴾ فاشيا منتشرا في البلاد. ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ محبة الطعام أو الإطعام. ﴿مِسْكِيناً﴾ محتاجا لفقره. ﴿وَيَتِيماً﴾ من لا أب له. ﴿وَأَسِيراً﴾ من أسر من الكفار في حرب إسلامية ويشمل أيضا الأسير المؤمن والمملوك والمسجون. ﴿لِوَجْهِ اللهِ﴾ ابتغاء لرضوانه وطلب ثوابه لا لتوهم المنّ وتوقع المكافأة المنقصة للأجر. ﴿شُكُوراً﴾ شكرا.
﴿يَوْماً﴾ عذاب يوم. ﴿عَبُوساً﴾ تعبس فيه الوجوه أي كريه المنظر لشدته.
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ.﴾.: أخرج ابن المنذر عن ابن جرير في قوله:
﴿وَأَسِيراً﴾ قال: لم يكن النبي ﷺ يأسر أهل الإسلام ولكنها نزلت في أسارى أهل الشرك كانوا يأسرونهم في العذاب فنزلت فيهم فكان النبي ﷺ يأمرهم بالإصلاح إليهم.
وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا. وقال أهل التفسير: نزلت في علي وفاطمة ﵄ وجارية لهما اسمها فضة لكن القصة لم تصح.
قال القرطبي: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار ومن فعل فعلا حسنا؛ فهي عامة (¬١).
المناسبة:
بعد بيان أن الله هدى الناس إلى طريق الخير وطريق الشرّ ثم انقسامهم بعدئذ فريقين: شاكرا وكافرا ذكر تعالى على جهة الوعيد أنه أعد للكافرين قيودا ونارا وللمؤمنين الطائعين جنة فيها ألوان النعيم من المأكل والمشرب والملبس لتتم المقابلة أو المقارنة بين الجزاءين مع بيان العلة أو السبب لكل جزاء.