الإمانة فإن وقتها فيه نوع تعيين في الجملة على ما هو المعهود في متوسط الأعمار الطبيعية.
(كلا لما يقض ما أمره):
(كلا) ردع للإنسان الكافر عما هو عليه من الطغيان البالغ، أي: ليس الأمر كما يقول من أنه أدى حق الله عليه في نفسه وماله (لما يقض ما أمره) بيان بسبب الردع، أي: أنه لم يؤَد شيئًا مما أمره به ربه من ترك الكبر المفرط، ومن ترك التأمل في الآيات، والإيمان بالله مع ما يتقلب فيه من النعم العظيمة.
روي عن مجاهد وقتادة أن المراد أنه لم يقض جميع ما أمره الله به من أَول زمان تكليفه إلى زمان إماتته وإقباره.
بعد أن ذكر -سبحانه- الأمور المتعلقة بخلق الإنسان امتنَّ عليه بذكر الأُمور المتعلقة ببقائه في الدنيا ليعتبر ويقابل النعمة بالشكر، فقال سبحانه: (فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) بمعنى: إذا كان حاله وهو أنه لا يزال إلى الآن سادرًا في غيه، لم يؤد شيئًا مما أمر به مع أن النعم السابقة من أقوى الدوافع إلى الامتثال والاستجابة، فحتم عليه أن ينظر نظر تفكير وإمعان إلى طعامه الذي عليه يدور أمر بقائه كيف دبرناه وهيأْنا له أسباب وجوده وعددنا أنواعه ليكون متاعًا له ولأَنعامه، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أي: أنزلناه من السماء إنزالا عجيبًا، ينبئُ بقدرة القادر العظيم، وظاهر الصب يقتضي تخصيص الماء بالغيث وهو المروي عن ابن عباس، وجوز بعضهم الأعم كماء العيون وتحوه وتأْكيد الجملة للاهتمام بمضمونها، والظاهر أن المراد من الطعام: المطعوم بجميع أنواعه، واقتصر عليه، ولم يذكر المشروب، لأن آثار القدرة فيه أكثر من آثارها في المشروب.
٢٦ - (ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا):
أي: شققناها شقًّا بديعًا لائقًا بما يشقها من النبات: صغرًا وكبرًا، وشكلا وهيئة، وشق الأَرض بالنبات بعد نزول المطر يكون على التراخي المعهود كما يتضح ذلك من التعبير بـ (ثم).
هذا استمرار في تعداد النعم التي أفاضها الله -سبحانه- على وجه بديع خارج عن العادات امتنانًا على هذا الكافر الذي بالغ في الإعراض والجحود، وأهمل ما تستدعيه تلك
النعم من الامتثال والإقبال على خالفه الذي أَنزل الغيث من السماء، فصبه صَبًّا على الأَرض التي انشقت بالنبات المتنوع، فنما وترعرع، فكان منه كما يقول تعالى: (فَأَنْبَتْنَا فيها حَبًّا) يقتاب به الناس ويدخرونه، ومن نحو القمح والشعير
(وَعِنَبًا وَقَضْبًا) أَي: عنبا يتفكه به، وقضبا، أَي: علفا رطبا للدواب، وقيده بذلك الخليل وقال: إذا جف فهو التبن، وسمى قضبا، لأَنه يقضب، ويقطع مرة بعد أُخْرى كالبرسيم ونحوه. وقيل: هو ما يقضب ليأْكله ابن آدم غضا كالبقول وبعض الخضروات.
(وزَيْتُونًا وَنَخْلًا) الزيتون معروف ويؤكل بكل أنواعه، ويؤتدم بعصيره، ويستشفى به، والنخل تؤكل تمرته بلحًا كانت أو يسرًا أو رطبًا أو تمرًا.
(وحَدَائِقَ غُلْبًا) وهي الأشجار المثمرة التي أُحيطت بسور يجمع بين أجزائها. فإن لم تحط به، فليست بحدائق بل هي بساتين، ومنه قيل: أحدقوا به، أي: أحاطوا ووصف الحدائق بقوله تعالى: (غُلْبًا) لتكاثفها، وكثرة أشجارها، وتشابك أغصانها، أو لأنها ذات أشجار ضخمة عظيمة، وكونها كذلك للإشعار بأَن النعمة في جملتها لا في ثمرتها فحسب، فمن أخشابها ما ينتفع به في الإحراق والصناعة، ومن أوراقها ما تأكله الحيوانات حفاظاً على حياتها، وهذا أكمل في الانتفاع بها.
(وفاكهة وأبًّا) ذكرت الفاكهة مع أنها تدخل في الامتنان بالحدائق؛ للاعتناء بشأْن ما يتفكه به من ثمارها المتنوعة، من كل ما حسن مذاقه، وطاب ريحه، وكبر حجمه، ولا شك أن ذلك أَدْخَلُ في الامتنان.
والأَبُّ: كما نقل عن ابن عباس وجماعة أنه الكلأ والمرعى، وسمي بذلك لأنه يُؤَمُّ ويُقصد، والأَبّ: القصد، وقيل: هو ما أنبتته الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الإنسان، وقال الضحاك: كل شيءٍ أنبتته الأرض سوى الفاكهة.
روي أن أبا بكر الصديق ﵁ سئل عن الأّبِّ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تلقني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به؟! وفي صحيح البخاري في رواية