سبب نزول صدر هذه السورة: أن رسول الله ﷺ كان حريصًا على إسلام قريش، وكان يدعو أشرافهم إلى الله تعالى ليسلموا، فيُسلم بإسلامهم غيرُهم، فبينما هو يومًا مع رجل من عظمائهم، قيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: أمية بن خلف، وقال ابن عباس: كانوا جماعة = إذ أقبل عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله علمني مما
علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم بتشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطع الأعمى لكلامه، فعبس وأعرض عنه، وذهب الرجل الذي كان مع رسول الله ﷺ، فنزلت الآية (¬١).
فكان رسول الله ﷺ إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم بعد ذلك يقول: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي»، ويبسط له رداءه (¬٢)، وقد استخلفه على المدينة مرتين.
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ أي: عبس في وجه الأعمى وأعرض عنه.
قال ابن عطية: في مخاطبته بلفظ الغائب مبالغة في العَتْب؛ لأن في ذلك بعض الإعراض (¬٣).
وقال الزمخشري: في الإخبار بالغيبة زيادة في الإنكار (¬٤).
وقال غيرهما: هو إكرام للنبي ﷺ وتنزيه له عن المخاطبة بالعتاب، وهذا أحسن.
﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (٢)﴾ في موضع مفعول من أجله، وهو منصوب بـ ﴿تَوَلَّى﴾ أو ﴿عَبَسَ﴾.
وذكر ابن أم مكتوم بلفظ الأعمى؛ ليدل أن عماه هو الذي أوجب احتقاره.
وفي هذا دليل على أن ذكر هذه العاهات جائز إذا كان لمنفعة، أو يُشْهَرُ
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ أي: لا حرج عليك إذا (¬٢) لا يتزكى هذا الغني.
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾ إشارة إلى عبد الله بن أم مكتوم.
ومعنى ﴿يَسْعَى﴾: يسرع في مشيه؛ من حرصه على طلب الخير.
﴿وَهُوَ يَخْشَى (٩)﴾ أي: يخشى الله، أو يخاف الكفار وإذايتهم له على إتيانك.
وقيل: جاء وليس معه من يقوده، فكان يخشى أن يقع، وهذا ضعيف.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ أي: تشتغل عنه بغيره، من قولك: لَهِيتُ عن الشيء:
إذا تركته.
وروي أن رسول الله ﷺ تأدَّب بما أدبه الله في هذه السورة فلم يُعرض بعدها عن فقير ولا تعرَّض لغني، وكذلك اتبعه فضلاء العلماء، فكان الفقراء في مجلس سفيان الثوري كالأمراء، وكان الأغنياء يتمنون أن يكونوا فقراء.