ذكر تلبيسه على الدهرية (¬١)
قد أوهم إبليس خلقا كثيرا أنه لا إله ولا صانع، وأن هذه الأشياء كانت بلا مكون، وهؤلاء لما لم يدركوا الصانع بالحس، ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه (¬٢)، وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟! فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطا مبنيا علم أنه لابد له من بانٍ بناه.
فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية، العجيبة، والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدل على صانع!
وما أحسن ما قال بعض العرب (¬٣): إن البعرة تدل على البعير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على اللطيف الخبير!
ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلا، وشفت غليلا، فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب: ومن تأمل تحديد الأسنان لتقطع، وتعريض الأضراس لتطحن، واللسان يقلب الممضوغ، وتسليط الكبد على الطعام ينضجه ثم ينفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء، وهذه الأصابع التي قد هيئت فيها