فَتَرى بعضَهُم يملِكُ عقارًا وأثاثًا، فإذا ضَاقَ به القوتُ واجتمَعَ عَلَيهِ دَينٌ، فقيل له: لو بِعتَ عَقَارَكَ، قال: كيف أحلُّ عَقارِي وأُسقِطُ جَاهِي؟! وإنَّما يفعلُ هذهِ الحماقات للعاداتِ.
وإنما قعدَ أقوام عن الكسبِ استِثْقالًا له، فكانوا بينَ أمرَينِ قبِيحَينِ:
- إمَّا تَضْيِيعُ العِيالِ، فترَكوا فريضةً.
- أو التَّزَيُّنُ باسمِ متوكلٍ، فيحِنُّ عليهِم المكتَسِبونَ، فَيُضَيِّقوا على عِيالهِم لأجلِهِم.
وهذه الرَّذيلةُ لم تدخلْ قطُّ إلَّا على دنيءِ النفسِ، وإلَّا فالرجلُ كلُّ الرجلِ مَن لم يضيع جوهرَهُ (¬١) الذي أودعهُ اللهُ إيثارًا للكسلِ، أو لاسمٍ يتزيَّنُ بهِ بينَ الجهَّالِ، فإنَّ الله تعالى قد يَحرِمُ الإنسانَ المالَ ويرزُقُه جَوهرًا يتسبَّبُ بهِ إلى تَحصيلِهِ.
فصل:
قال المصنِّفُ: وقد تشبَّثَ القاعدونَ عن الكسبِ بتَعلُّلاتٍ قبِيحةٍ:
• منها: أنَّهم قالوا: لابدَّ أن يصلَ إلينا رزقُنا!
وهذا في غايةِ القُبحِ، فإنَّ الإنسانَ لو تَركَ الطَّاعةَ وقال: لا أقدِر بطاعتِي أن أُغَيِّر ما قَضَى اللهُ علَيّ، فإن كنتُ من أهلِ الجنَّةِ فأنا إلى الجنَّةِ أو من أهلِ النَّارِ فأنا من أهل النَّار! قلنا له: هذا يردُّ الأوامرَ كلَّها، ولو صحَّ لأحدٍ لَم يخرُج آدمُ من الجنَّةِ؛ لأنَّهُ كان يقولُ: ما فعلتُ إلا ما قضى. ومعلومٌ أنَّنا مطالبون بالأمرِ لا بالقَدَرِ.