وجواب آخر: إذا كان غنيًا عن أعمالنا فهو غني عن معرفتنا له وقد أوجب علينا معرفته، فكذلك وجوب طاعته، فينبغي أن ننظر إلى أمره لا إلى الغرض بأمره.
الشُّبْهَةُ الثالثةُ: قالوا: قد ثَبَتَ سَعَةُ رحمةِ اللهِ ﷾، وهيَ لا تعْجَزُ عنَّا، فلا وجْهَ لحِرمانِ نفوسِنا من مُرادِها.
والجواب كالجوابِ الأولِ؛ لأنَّ هذا القولَ يتضمَّنُ اطِّراحَ ما جاءَت بهِ الرُّسُلُ مِن الوعيدِ، وتهوينَ ما شدَّدَتْ في التحذيرِ منهُ وبالَغَتْ في ذكْرِ عقابِهِ.
وممَّا يكشفُ التلبيسَ في هذا أَنَّ الله ﷿ كما وصَفَ نفسَهُ بالرحمةِ وصَفَها بشدةِ العقابِ، ونحنُ نرى الأنبياءَ والأولياءَ يُبْتَلَوْنَ بالأمراضِ والجوعِ ويُؤاخَذونَ بالزَّلَلِ.
كيفَ وقد خافَهُ مَن قد قُطِعَ لهُ بالنجاةِ! فالخليلُ يقولُ يومَ القيامةِ: نفسي نفسي. والكليمُ يقولُ: نفسي نفسي (¬١). وهذا عُمَرُ ﵁ يقولُ: الويلُ لعُمَرَ إِنْ لم يُغْفَرْ لهُ (¬٢).