إنَّ الذي كان مطلوبًا من الصحابة إيجاب ذلك، بدليل أنَّ الرسول ﷺ غضب وأنكر عليهم لما وقفوا، والرسول ﷺ لا يغضب في أمر إلا أن يكون أمرًا منهيًّا عنه، وتركوا أمرًا واجبًا لا بدَّ منه.
فالتمتع كان واجبًا في حق الصحابة، ولذلك لما سئل أبو ذر ﵁: "ألنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "بل لنا خاصة" (¬١).
ففسروا ذلك بأن المراد إنما هو الإيجاب، وأما أن العمرة أو التمتع فيه شيء؛ فيرده ما جاء في حديث جابر بن عبد اللَّه الذي أخرجه مسلم في صحيحه (¬٢)، وغيره (¬٣): "أن سراقة بن مالك سأل رسول اللَّه ﷺ ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال ﷺ: بل لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، فالأولى أن يورد المؤلف هذا الحديث بجانب الحديث المذكور، وهو أن سراقة سأل الرسول ﷺ هل العمرة خاصة بهذا العام أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد". وفي رواية (¬٤): "بل لأبد الأبد"؛ وأكمل تأكيدًا للحكم بأنها دخلت في الحج إلى يوم القيامة.
والذين قالوا: إن الرسول أمرهم بالإلزام؛ لأنَّ المشركين لم يروا أن العمرة في أشهر الحج؛ بل كانوا يرون ذلك من الفجور ومن فِعْل المنكر، فأكد لهم ذلك ﷺ وأمر به ليبطل مزاعم المشركين، وليبين فسادها، وأنهم ليسوا على حق في ذلك.
* قوله: (وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ صِحَّةً يُعَارَضُ بِهَا الْعَمَلُ الْمُتَقَدِّمُ).
إذا لم يصح هذا؛ فقد صح حديث سراقة الذي أخرج في صحيح