وأنك بين الجَاهلينَ مُقدَّمُ
إذَا كانَ هذا نُصحُ عَبدٍ لِنفسِهِ … فَمن ذَا الذِي منهُ الهُدَى يُتعلَّمُ
وفي مثل هذا الحَالِ قد قالَ من مضَى … وأحسنَ فيمَا قالهُ المتكلِّمُ
فإنْ كنتَ لا تدرِي فتلك مُصيبةٌ … وإنْ كنت تدرِي فالمُصيبةُ أعظمُ
ولو تُبصرُ الدُّنيا وراءَ سُتورها … رأيتَ خيالاً في منامٍ سيُصرمُ
كحلمٍ بطيفٍ زارَ في النَّومِ وانقضَى … المنامُ وراحَ الطيفُ، والصَّبُّ مغرمُ
وظلٍّ أرتهُ الشَّمسُ عند طُلوعِهَا … سَيقلُصُ في وقتِ الزوالِ، ويفصمُ
وَمُزنةِ صيفٍ طابَ منها مَقيلُهَا … فَولتْ سريعًا، والحرورُ تَضرَّمُ
ومَطعمِ ضيفٍ لذَّ منهُ مَساغهُ … وَبَعدَ قليلٍ حَالُهُ تِلكَ تُعْلَمُ
كَذَا هَذِهِ الدُّنيا كأَحلامِ نائمٍ … وَمِنْ بعدها دارُ البَقاءِ ستقدمُ
فَجُزها مَمَرًا لا مَقَرًا وكنْ بها … غريبًا تَعِش فيها حميدًا، وتسلمُ
أو ابن سبيلٍ قالَ في ظِلِّ دَوحةٍ … وراحَ وخَلَّى ظِلَّهَا يَتقسَّمُ
أخَا سفرٍ لا يستقرُّ قَرارُهُ … إلى أن يَرَى أوطانهُ ويسلِّمُ
فيا عجبًا كمْ مصرعٌ وعَظَتْ به … بَنِيْهَا ولكن عن مَصارِعِهَا عَمُوا
سقتهُم كُؤوسَ الحبِّ حتى إذا نَشَوا … سَقتهُم كُؤوسَ السُّمِّ والقَومُ نُوَّمُ
وأعجبُ ما في العَبدِ رُؤيةُ هذه الـ … عَظائمِ والمَغرورُ فيها مُتيَّمُ
وما ذاكَ إلا أن خَمرةَ حُبَّهَا … لَتَسلبُ عقلَ المرءِ منه وتصلِمُ
وأعجبُ من ذَا أنَّ أحبَابَهَا الأُلي … تُهينُ وللأعدَا تُرَاعِي وتُكرمُ
وَذلكَ بُرهانٌ على أنَّ قَدرهَا … جَناحُ بَعوضٍ أو أَدقُّ وألامُ
وحسبكَ ما قَالَ الرَّسُولُ مُمَثِّلاً … لَهَا وَلِدَارِ الخُلدِ والحَقُّ يُفهَمُ
كَمَا يُدْلِي الإِنْسَانُ في اليَمِّ أَصْبُعًا …