للأعشى (¬٨١٣):
[٣٣٠] لَئِنْ كُنتَ في جُبٍّ ثَمانينَ قامَةً … وَرُقِّيتَ أسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (الثَمانينَ) على (الجُبِّ) نَعتًا له، لأنّها تَنوبُ مَنابَ طَويلٍ وعَميقٍ ونَحْوِه، فكأنّه قالَ: في جُبٍّ بَعيدِ القَعْرِ طَويلٍ.
يقولُ هذا ليزيدَ بنِ مُنْبهِرٍ الشَيْباني متوَعِّدًا له بالهِجاءِ والحَرب، أيْ لا يُنْجِيكَ مِنّي بُعْدُكَ، وضَرَبَ رُقِيَّةُ في السَماءِ وهُوِيَّةُ تَحتَ الأرضِ مَثَلًا. والأسبابُ: الأبوابُ لأنّها تُؤدّي إلى ما بَعدَها، وكُلُّ ما أدّى إلى غَيرِهِ فهو "له" سَبَبٌ، وأَصلُ السَبَبِ الحَبْلُ، لأنّه يُوصَلُ "به" إلى الماء ونَحْوِهِ مما يَبعدُ مَرامُهُ.
وأنشد لسُحَيْم بن وَثِيل الرِياحي (¬٨١٤):
[٣٣١] مَرَرْتُ على وادِي السِباعِ ولا أَرَى … كوادِي السباع حينَ يُظْلِمَ وادِيا
أَقَلَّ به رَكْبٌ أَتَوْهُ تَئِيَّةً … وأَخْوَفَ إلّا ما وَقَي اللَّهُ سارِيَا
الشاهدُ في قوله: (أَقَلَّ به رَكْبٌ)، وحَذْفِهِ تمامَ الكَلامِ اختصارًا لِعِلْمِ السامع، والتَقديرُ أَقَلَّ به رَكبٌ أَتَوْهُ منهم بوادي السِباعِ، تجري في الحَذْفِ مَجري قولهم: اللَّهُ أكبَرُ، ومعناه أكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ.
يقول: وافَيْتُ هذا الوادي لَيْلًا وهو وادٍ بِعَيْنه فأَوْحَشَنِي لكَثرةِ سِباعِهِ، فَرَحَلْتُ عنه ولم أَمكُثْ فيه لِوَحْشَتِهِ. والتَئِيَّةُ: التَلَبُّثُ والمُكْثُ. ورَفَعَ الرَكْبَ بأَقَلَّ. وقَولُه: (أَتَوْهُ) في موضعِ الوَصْفِ لهم.