وقال: "من حفظها"؛ يعني: في نفسها، "وحافظ عليها" (¬١)؛ يريد: دَاوَمَ عليها.
ولا يأتي بها صُورَةً بلا رُوحِ؛ فإنَّ المقصود بها إِصْلَاحُ الباطن وتَمْرِينُ الأعضاء في الظاهر؛ باكتساب الذِّلَّةِ، والاعتراف بالعِزِّة (¬٢) للعَلِيِّ المُتَعَالِي، فلا يستقبلُ القِبْلَةَ بجسده، ويستقبل بقَلْبِه المعاصي أو الدنيا؛ فيتناقض ظاهرُه وباطنُه، فيكون نوعا من النفاق، أو إعراضًا (¬٣) محضًا عن الله وإقبالًا على غيره، كما قال بعضُ البَطَّالِين (¬٤):
أراني إذا صَلَّيْتُ يَمَّمْتُ نحوها … بوَجْهِي وإن كان المُصَلِّى وَرَائِيَا
ووالله ما أَدْرِي إذا ما قَضَيْتُها … اثنتين صَلَّيْتُ الضُّحَى أم ثَمَانِيَا
وهذه حالُ الناس مع دنياهم في عبادتهم اليوم، إلا أن الرجل قد يَتَدَبَّرُ ما يقرأ أو يَعْرِضُ له ذِكْرٌ من أَمْرِ الأُخْرَى (¬٥) فيَلْحَقُه سَهْوٌ، وهذا عند الله عَفْوٌ، ولا يقدر على حَبْسِ القلب على فِعْلِ الصلاة إلَّا صَابِرٌ، كما لا يقدرُ على الدخول فيها إلَّا صَابِر، ولأَجْلِ هذا قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا