ثم اعلم أن التبسط في الشهوات والاسترسال فيها ربما أدى إلى قسوة القلب والغفلة عن ذكر الله تعالى، وقد يؤول بصاحبه إلى الإسراف والمَخِيلة وغيرهما من المفاسد الدينية، فاللائق بالعبد الاقتصاد والتوسط بين الإفراط والتفريط في قدر المأكل والمشرب، وسائر التمتعات، وفي أنواعها وقيمتها، مع مراقبة الله في سائر الأحوال، وسياسة النفس في سائر الأمور، وبهذا جاءت السنة.
روى الترمذي، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ "تَعَشَّوْا وَلَوْ بِكَفِّ مِنْ حَشَفٍ؛ فَإِنَّ تَرْكَ العَشاءِ مَهْرَمَةٌ" (١).
وروى ابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لا تَدَعُوا العَشاءَ وَلَوْ بِكَفٍّ مِنْ تَمْرٍ؛ فَإِنَّ تَرْكَهُ مَهْرَمَةٌ" (٢).
وروى الترمذي وحسنه، وابن حبَّان في "صحيحه" عن المقدام ابن معدي كرب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما مَلأَ آدَمِيٌ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أُكُلاتٌ -وفي لفظ: لُقَيْماتٌ- يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كانَ لا مَحالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ" (٣).