بالجنون فناديته: قف يا مجنون، فالتفت إلي، وقال لي: أتدري من المجنون؟
فقلت: لا.
فقال: المجنون من يخطي خطوة ولم يذكر الله تعالى (١).
وروى ابن جهضم عن ذي النون رحمه الله تعالى قال: قلت لفليح المجنون: ما الذي جنَّنك وأذهب عقلك؟
فقال لي: لما طال حبسي في الدنيا صرت مجنوناً لخوف فراقه.
وروى الدينوري عن ابن أبي فديك رحمه الله تعالى قال: كان هاهنا بالمدينة في سنة سبع وثمانين رجل يكنى: أبا نصر بن جهينة، ذاهب العقل في غير ما الناس فيه، لا يتكلم في شيء من أمر الدنيا، وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله ﷺ، وكان إذا سئل عن الشيء أجاب جواباً معجباً حسناً.
قال ابن أبي فديك: فأتيته يوماً وهو مع أهل الصفة منكِّساً رأسه، واضعاً جبهته بين ركبتيه، فجلست إلى جنبه، فحركته، فانتبه، فأعطيته شيئاً كان معي، فأخذه، وقال: قد صادف منا حاجة.
فقلت له: يا أبا نصر! ما الشرف؟
فقال: حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها، والقبول من محسنها، والتجاوز عن مسيئها.