وقد جاء في أسباب النزول لما تقدم من الآيات في أهل الكتاب حديثان صحيحان:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وابن حبان بسند حسن عن ابن مسعود قال: [أخّر رسول الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم. قال فنزلت هذه الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ -إلى قوله-: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾] (١).
فوصف الله تعالى أمة محمد ﷺ بأنهم يصلُّونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله.
الحديث الثاني: أخرج الطبراني ورجاله ثقات، عن ابن عباس ﵁ قال: [لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود أهل الكفر: ما آمن بمحمد وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله ﷿ في ذلك من قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
قال السدي: (﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قائمة).
قلت: ولا شك أن من آمن من أهل الكتاب وصدق بمحمد ﷺ فقد صار من أمته، وهم بذلك داخلون في الثناء العطر على أهل التلاوة والقيام والإيمان.
ولذلك قال: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. أي: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها سجود هذه الأمة المعروف في صلاتها.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.