إن الذي ينظر لما ساقه لنا الإمام مسلم في صحيحه في إهلال السيدة عائشة - زادها الله تشريفاً وتكريماً- يقف لأول وهلة موقف المتحير التائه إلّا أن حيرته لن تطول كثيراً فيما لو بذل شيئاً من العناء في فحص ما دوّنه الفقهاء الكبار في هذه المسألة حتى جعلونا - بفضل الله - نصل إلى شاطئ الأمان في تحقيق علمي مفيد يوفق بين الروايات دون أن يقصي منها شيئاً ليكون هو الأنموذج الثالث في بيان وجوه الإحرام في رصد الصحب الكرام في صدر هذا التمحيص، وبهذا أسرد بين يدي القارئ الكريم معظم الروايات التي أتى مسلم على ذكرها ضمن دراسة التوفيق فيما بينها على نحو يستقيم به أمرها جميعاً بعد الاستعانة بفضل الله وتوفيقه (١):
الرواية الأولى: عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ﷺ: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يَحِلّ حتى يَحِلّ منهما جميعاً. قالت: فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة (٢)، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: انقُضِيْ رأسك وامتشطي (٣)،
وأهِلّي بالحج، ودَعِيْ العمرة. قالت: ففعلتُ، فلما قضينا الحج أرسلني رسول