فالإحصار فيما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنبلية لا يكون إلّا بالعدوّ أو الفتنة أو الحبس ظلماً أو ما يلحق ذلك من صور ذكرها الفقهاء في مبسوطات كتبهم لا تخرج عن واحدة من الثلاثة التي ذكرت.
أما المرض فلم يدخلوا إحصاره في حصر العدو، ولم يجعلوه منه بسبب الآية أولاً؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ لا يكون إلّا من الأمن من العدو، ولو كان ذلك مراداً لقال تعالى فإذا برأتم؛ ولأن السنة النبوية في موقع الحديبية وحادثتها التي أنزلت فيها الآية تؤيد ذلك، هو ما يتضافر مع المتمسَّك الذي يرويه الشافعي في مسنده عن أبن عباس ﵁ حين قال: لا حصر إلّا حصر العدو (١).
وخالف الحنفية في هذه المسألة فأخذوا بظاهر اللغة وهو المنع، وأن الإحصار لغة هو المنع بالمرض، لذلك ذهبوا على أنه يتحقق بالمرض وبالعدوِّ، وبكل ما نع من الوقوف والطواف كفقد النفقة وعدم المحرم بالنسبة للمرأة.
كما استدلوا لمذهبهم بالحديث الذي رواه الخمسة ومنهم أحمد في مسنده بأسنايد صحيحة عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كُسِرَ أو عَرَج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى». قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: «صدق» (٢).