﴿فَطَرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١٨) ابْتَدَأ خَلْقَهُمَا. فَطَرَ (١٩) الشَّيْىءَ: ابْتَدَأهُ واخْتَرَعَهُ وَهُوَ الْخَلْقُ أيْضًا. وَقَدْ فَطَرَهُ يَفْطُرُه -بِالضَّمِّ- أَيْ: خَلَقَهُ. وَالفِطرةُ بِالْكَسْرِ: الخِلْقَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: كُنْتُ لَا أدَرِى مَا ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢٠) حَتى أَتَانِى أَعْرَابِيَّانِ يَختَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أحَدُهُمَا: أَنَا فَطرتُهَا، أَيْ: ابتدَأتُهَا (٢١).
﴿حَنِيفًا﴾ أَيْ: مُسْتَقِيمًا ثَابِتًا (٢٢). ﴿نُسُكِي﴾ عِبَادَتِى، وَمَا أتَقَرَّبُ بهِ (٢٣). ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مَالِكِهِمْ. يُقَالُ: رَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ الْعَبْدِ، أَيْ: مَالِكُهُ (٢٤). وَ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ الجِنِّ وَالإِنْس، وَاحِدُهُم: عَالَمٌ (٢٥). ﴿أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ أَيْ: الْمُنْقَادِينَ لِأمْرِ اللهِ (٢٦)، الْخَاضِعِينَ لِطَاعَتِهِ.
"لَبَّيْكَ وَسَعْدَيِكَ" أصْلُهُ: مِنْ ألَبِّ بِالْمَكَانِ: إذَا أقَامَ بِهِ، وَمَعْنَاهُ: الإِجَابَةُ، وَثنَّى عَلَى مَعْنَى: إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، وَإسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ: لَبَّبَ، فَاسْتُثْقِلَتْ ثَلَاثُ بَاءَاتٍ، فَأبْدِلَتِ الثَّالِثَةُ يَاءً، كَمَا يُقَالُ: تَظَّنَّيْتُ فِي تَظَنَّنْتُ (٢٧). وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْحَجِّ بِأكْثَرَ مِنْ هَذَا إنْ شَاءَ اللهُ.
قَوْلُهُ: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" أَيْ: لَيْسَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بهِ إِلَيْكَ، وَإِنَّمَا يُتَقَربُ إِلَيْكَ بِالْخَيْرِ. وَقِيلَ: لَا يُضَافُ إِلَيْكَ، وَإِنْ كُنْتَ خَلَقْتَهُ؛ لِأنَّهُ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ إِلَّا الْحَسَنُ. كَمَا يُقَالُ: يَا خَالِقَ النُّورِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَلَا يُقَالُ: يَا خَالِقَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِير، وَإِنْ كَانَ خَالِقَهَا (٢٨).
قَوْلُهُ: "وَأَتُوبُ إِليْكَ" أيْ: أرْجَعُ إِلَى طَاعَتِكَ. وَالتَّائِبُ: الرَّاجِعُ إِلَى طَاعَةِ رَبَهِ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِ وَخَطِيئَتِهِ (٢٩).
قَوْلُهُ: "أَعُوذُ بِاللهِ" مَعْنَاهُ: أَلْجَأ. وَعُذْتُ بِهِ، أيْ: لَجَأتُ إلَيْهِ (٣٠).
وَفى اشْتِقَاقِ (الشَّيْطَانِ) وَجْهَان: قِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقُّ مِنْ "شَاطَ" أَيْ: هَلَكَ وَاحْتَرَقَ، فَنُونُهُ زَاِئِدَةٌ (٣١).
قال (٣٢):
. . . . . . . . . . . ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أرْمَاحِنَا الْبَطَلُ