مِن مالِكَ إلا الأكفان، بل هي والله (¬١) للخرابِ، والذهابِ، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ فهلّا أبعدك (¬٢) من الأهوال؟ كلا، بل (¬٣) تتركه إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزار على مَن لا يعذرك.
ولقد أحسنَ مَن قال (¬٤) في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] النصيب (¬٥): الكفن، فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة (¬٦) وهي: الجنة، فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء، والتجبر والبغي، فكأنهم قالوا: لا تنس (¬٧) أنك تترك جميع (¬٨) مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر (¬٩):
نصيبك مما تجمع الدهر كله … رداءان تلوى فيهما وحنوط
وقال آخر (¬١٠):
هي القناعة لا تبغي بها بدلًا … فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن مَلك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطن والكفن
فصل (¬١١)
وقوله (¬١٢): "الكيّسُ من دان نفسَه"، دَانَ: حَاسَبَ، وقيل: ذَلّ (¬١٣).