لقنه جبريل ﵇ فقيل: لا تعجل فإن جبريل ﵇ مأمور أن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه ثم لا تنساه إلّا ما شاء الله تعالى ثم تذكره بعد النسيان، وأنت تعلم أن الذكر بعد النسيان وإن كان واجبا إلّا أن العلم به لا يستفاد من هذا المقام. وقيل: إن الاستثناء بمعنى القلة وهذا جار في العرف كأنه قيل إلّا ما لا يعلم لأن المشيئة مجهولة وهو لا محالة أقل من الباقي بعد الاستثناء فكأنه قيل فلا تنسى شيئا إلّا شيئا قليلا.
وقد جاء في صحيح البخاري وغيره أنه ﷺ أسقط آية في قراءته في الصلاة وكانت صلاة الفجر فحسب أبي أنها نسخت فسأله ﵊، فقال: نسيتها ثم إنه ﵊ لا يقر على نسيانه القليل
أيضا بل يذكره الله تعالى أو ييسر من يذكره،
ففي البحر أنه ﷺ قال حين سمع قراءة عباد بن بشير: «لقد ذكرني كذا وكذا آية في سورة كذا وكذا»
. وقيل: الاستثناء بمعنى القلة وأريد بها النفي مجازا كما في قولهم قل من يقول كذا قيل والكلام عليه باب:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم البيت والمعنى فلا تنسى إلا نسيانا معدوما. وفي الحواشي العصامية على أنوار التنزيل أن الاستثناء على هذا الوجه لتأكيد عموم النفي لا لنقض عمومه. وقد يقال الاستثناء من أعم الأوقات فلا تنسى في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئة الله تعالى نسيانك لكنه سبحانه لا يشاء وهذا كما قيل في قوله تعالى في أهل الجنة خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود: ١٠٧] وقد قدمنا ذلك وإلى هذا ذهب الفراء فقال إنه تعالى ما شاء أن ينسى النبي ﷺ شيئا إلا أن المقصود من الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصيره ﵊ ناسيا لذلك لقدر عليه كما قال سبحانه وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: ٨٦] ثم إنّا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك وقال له ﷺ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] مع أنه ﵊ لم يشرك البتة، وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن يعرف الله تعالى قدرته حتى يعلم ﷺ أن عدم النسيان من فضله تعالى وإحسانه لا من قوته، أي حتى يتقوى ذلك جدا أو ليعرف غيره ذلك وكأن نفي أن يشاء الله تعالى نسيانه ﵊ معلوم من خارج ومنه آية لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
[القيامة: ١٦] الآية. وقد أشار أبو حيان إلى ما قاله الفراء وإلى الوجه الذي قبله وأباهما غاية الإباء لعدم الوقوف على حقيقتهما وقال: لا ينبغي أن يكون ذلك في كلام الله تعالى بل ولا في كلام فصيح وهو مجازفة منه عفا الله تعالى عنه، ثم إن المراد من نفي نسيان شيء من القرآن نفي النسيان التام المستمر مما لا يقر عليه ﷺ كالذي تضمنه الخبر السابق ليس كذلك. وقد ذكروا أنه ﵊ لا يقر على النسيان فيما كان من أصول الشرائع والواجبات وقد يقر على ما ليس منها أو منها وهو من الآداب والسنن ونقل هذا عن الإمام الرازي عليه الرحمة فليحفظ. والالتفات إلى الاسم الجليل على سائر الأوجه لتربية المهابة والإيذان بدوران المشيئة على عنوان الألوهية المستتبعة لسائر الصفات، وربط الآية بما قبلها على الوجه الذي ذكرناه هو الذي اختاره في الإرشاد وقال أبو حيان: إنه سبحانه لما أمره ﷺ بالتسبيح وكان لا يتم إلّا بقراءة ما أنزل عليه من القرآن وكان ﷺ يتفكر في نفسه مخافة أن ينسى أزال سبحانه عنه ذلك بأنه ﷿ يقرئه وأنه لا ينسى إلا ما شاء أن ينسيه لمصلحة وفيه نظر لا يخفى ولو قيل إن سَنُقْرِئُكَ استئناف واقع موقع التعليل للتسبيح أو للأمر به فيفيد جلالة الإقراء وأنه مما ينبغي أن يقابل بتنزيه الله تعالى وإجلاله كان أهون مما ذكر ونحوه كونه في موقع التعليل على معنى هيىء نفسك للإفاضة عليك بتسبيح الله تعالى لأنّا سنقرئك فلا تنسى إلّا ما