وَعَرَفَ الْمَصِيرَ فَمَا عَرَفَ النَّجَاةَ وَلا تَعَرَّفَ , وَكُلِّفَ بِالدُّنْيَا فَإِذَا طَلَبَ الأُخْرَى تَكَلَّفَ , يَا مَنْ مَرَضُهُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ جُمْلَتِهِ وَتَصَرَّفَ , اطْلُبِ الشِّفَاءَ يَا مَنْ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ قَدْ أَشْرَفَ , وَابْكِ عَلَى ضَلالِكَ فِي الْهَوَى فالقوم مهتدون ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ .
قوله تعالى: ﴿بأكواب وأباريق﴾ الْكُوبُ إِنَاءٌ لا عُرْوَةٌ لَهُ وَلا خُرْطُومٌ. وَالأَبَارِيقُ: آنِيَةٌ لَهَا عُرًى وَخَرَاطِيمُ.
سَجْعٌ
تَرَكُوا لأَجْلِنَا لَذِيذَ الطَّعَامِ , وَسَارُوا يَطْلُبُونَ جَزِيلَ الإِنْعَامِ , وَقَامُوا فِي الْمُجَاهَدَةِ عَلَى الأَقْدَامِ , وَتَدَرَّعُوا مَلابِسَ الأَتْقِيَاءِ الْكِرَامِ , نُشِرَتْ لَهُمْ بِصِدْقِهِمُ الأَعْلامُ , وَحُلُّوا حِلْيَةَ الرِّضَا وَأَحَلُّوا مَحَلَّ التَّوْفِيقِ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مخلدون بأكواب وأباريق﴾ .
طَالَ مَا عَطِشُوا فِي دُنْيَاهُمْ وَجَاعُوا , وَذَلُّوا لِسَيِّدِهِمْ صَادِقِينَ وَأَطَاعُوا , وَخَافُوا مِنْ عَظَمَتِهِ وَارْتَاعُوا , وَبِأُخْرَاهُمْ مَا يَفْنَى مِنْ دُنْيَاهُمْ بَاعُوا , وَحَرَسُوا بَضَائِعَ التُّقَى فَمَا فَرَّطُوا وَلا أَضَاعُوا , وَجَانَبُوا مَا يَشِينُ وَصَاحَبُوا مَا يَلِيقُ , فَطَافَ الْوِلْدَانُ عَلَى شِفَاهٍ يَبِسَتْ بِالصِّيَامِ وَأَتَى الرِّيقُ ﴿يَطُوفُ عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق﴾ .
تَحَمَّلُوا أَثْقَالَ التَّكْلِيفِ , وَرَفَضُوا التَّمَادِيَ وَالتَّسْوِيفَ , وَقَطَعُوا طريق الفوز للتشريف , وجانبوا موجب العتاب وَالتَّعْنِيفِ , فَتَوَلاهُمْ مَوْلاهُمْ وَحَمَاهُمْ فِي الطَّرِيقِ , وَأَقَامُوا الولدان تسقيهم من الرحيق ﴿بأكواب وأباريق﴾ .
قوله تعالى: ﴿وكأس من معين﴾ الْكَأْسُ: الإِنَاءُ بِمَا فِيهِ وَالْمَعِينُ: الْمَاءُ الطَّاهِرُ الجاري. قال الزجاج: المعين ها هنا: الْخَمْرُ يَجْرِي كَمَا يَجْرِي الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ الْعُيُونِ.