وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: «هَاجِرُوا وَلا تُهَجِّرُوا» (¬١).
يَقُولُ: أَخْلِصُوا الهِجْرَةَ، وَلا تَشَبَّهُوا بِالمُهَاجِرِينَ عَلَى غَيْرِ صِحَّةِ النِّيَّةِ (¬٢) مِنْكُمْ، كَالتَّحَلُّمِ مِنْ غَيْرِ حِلْمٍ، وَالتَّشَجُّعِ مِنْ غَيْرِ شَجَاعَةٍ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْداءِ أَنَّهُ قالَ: «إِنِّي لأَعْلَمُ بِشِرارِكُمْ مِنَ البَيْطارِ بِالحَمِيرِ، هُمُ الَّذِين لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلّا دَبْرًا، وَلا يَسْمَعُونَ القُرْآنَ إِلا هَجْرًا» (¬٣).
قالَ الخَطّابِيُّ: ذَكَرَهُ القُتَيْبِيُّ، وَرَوَى: «إِلاّ هُجْرًا»، ثُمَّ قَالَ: وَهَذا غَلَطٌ؛ لأَنَّ أَحَدًا مِنَ الطَّاعِنِينَ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ فِي القُرْآنِ فُحْشًا، أَوْ يَدْخُلُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَنا وَقَبِيحِ القَوْلِ؛ لِنَزَاهَةِ أَلْفاظِهِ وَبَرَاءَتِها (¬٤) مِنَ القَذَعِ وَالفُحْشِ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ كَذَّبَهُ سُوءُ الفَهْمِ، وَتَمامُ الجَهْلِ. وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ: «إِلّا هَجْرًا»، وَمَعْناهُ: تَرْكُهُ وَالإِعْراضُ عَنْهُ وَإِغْفالُهُ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (¬٥)، وَقَدْ ذَكَرْنا مِنَ الحَدِيثِ الْآخَرِ: «أَنَّهُ لا يَذْكُرُ اللهَ إِلا مُهاجِرًا» (¬٦).
وَفِي الحَدِيثِ: «لَوْ يَعْلَمُ الناسُ ما فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» (¬٧). أَرادَ: التَّبْكِيرَ إِلَى كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَمْ يُرِدِ الخُرُوجَ فِي الهَاجِرَةِ؛ لأَنَّ