الاعتبار [¬١] الأول:
أَنْ نُبَيِّنَ [¬٢] جمعَ مالك لدرجات الاجتهاد في الدين، وحوزَه خصال الكمال في العلم، وبلوغَه في ذلك كله المنزلةَ [¬٣] التي لم يبلغها أحد [¬٤] من هاؤلاء المقلَّدين، قاصدًا بذلك مَقَصدَ الحقّ، غير راكنٍ إلى التعصُّب، بائحًا بالصِّدْق [¬٥]، ومُقتصِدًا [¬٦] فيما أَذكره من ذلك، غيرَ مُستيح عِرَض أحَدٍ مِن الأئمة وقادَة الخلق [¬٧]؛ وههنا معارك النزاع والاعتلاج، ومثار العِناد واللَّجاج.
فأقول والله المستعان:
لا خَفاء على مُنصِف بمنصب [¬٨] مالك من الإمامة في علوم الشّريعة وعلم الكتاب والسُّنة، وأَنه إمام المسلمين وأعلَمُهم في وقته بسنَّةٍ ماضيةٍ وباقية، وأميرُ المؤمنين في الحديث، ثم العلم بالاختلاف والاتّفاق؛ وهذا كله مما لا [¬٩] يُنكِره مخالفٌ ولا مُؤالف [¬١٠]، إلا من طبع على قلبه التعصب [¬١١]، وأنه القوة في السُّنن، وهو أول [¬١٢] من ألَّف فأجاد [¬١٣] التأليف، ورتَّب الكتبَ [¬١٤] والأبواب، وضَمَّ الأشكال، وصنَع من ذلك ما اتَّخَذَه [¬١٥] المؤلِّفون بعدَهُ قدوة وإمَامًا إلى وقتنَا هذَا في أقطار الأرض؛ هذا مع صُعوبة الابتداء، وخَيرة الاختراع، وهو أولُ من تكلَّم في غريب الحَديث، وشرَح في موطئِه