من الأَوَّل، وَأما قولُه تَعَالَى: ﴿خَلقكُم من نفس وَاحِدَة ثمَّ جعل مِنْهَا زَوجهَا﴾ ، والزَّوْجُ مخلوقٌ قَبْلَ الوَلَد، فَالْمَعْنى أنْ يُجْعَلَ خَلْقُهُ الزَّوْجَ مَرْدُوداً على واحِدَةٍ، الْمَعْنى خلقهَا وَاحِدَة ثمَّ جَعَل مِنْهَا زَوْجَها وَنَحْو ذلكَ. قَالَ الزَّجّاج: المَعْنَى خَلَقَكُم من نَفْسٍ خَلَقها وَاحِدَة، ثمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَها، أَي: خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَها قَبْلَكم، قَالَ: وَثُمَّ لَا تكونُ فِي العُطوف إِلَّا لِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ.
(والثالِثُ: المُهْلَةُ) والتَّراخِي (أَو قد تَتَخَلَّفُ، كَقَوْلِك: أَعْجَبَنِي مَا صَنَعْتَ اليَوْمَ، ثُمَّ مَا صَنَعْتَ أَمْسِ أَعْجَبُ؛ لأنّ ثُمّ) هُنَا (فِيهِ لتَرْتِيب الإِخْبارِ وَلَا تَراخِيَ بَيْنَ الإخْبارَيْن) . وَهَذِه العِبارةُ مأخوذةٌ من كَلَام شَيْخِهِ ابْن هِشامٍ فِي المُغْنِي، وَقد اسْتَوْعَبَ هُوَ تفصيلَ هَذَا الْمقَام كغَيْرِهِ [و] لَيْس هَذَا محلَّ الإِلْمامِ بِه خَشْيةَ الإطالة. وَقَالَ الجوهريُّ: ثُمّ حرفُ عَطْفٍ يدلّ على التَّرتِيبِ والتَّراخِي ورُبَّما أَدْخَلُوا عَلَيْهَا التاءَ كَمَا قَالَ:
(وَلَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ﴿ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي)
ويُقالُ أَيْضا: ثُمَّتْ، بِسُكُون التاءِ وَالْفَاء، فِي كل ذلِكَ بَدَلٌ من الثَّاء لِكَثْرَة الاسْتِعمال.
(﴾ وثَمَّ بالفَتْحِ: اسْمٌ يُشارُ بِهِ بمَعْنَى هُناكَ لِلْمَكان البَعِيدِ) بِمَنْزِلَة هُنا للقَريب، وَهُوَ (ظَرْفٌ لَا يَتَصَرَّفُ) قَالَ الله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ! ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾ . قَالَ الزَّجّاج: ثَمَّ يَعْنِي بِهِ الجَنَّةَ، (فَقَوْلُ مَنْ أَعْرَبَهُ مفْعُولاً لرَأَيْت فِي) قَوْله تَعالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ وَهَمٌ) . قَالَ الزجّاج: والعامِلُ فِي ثَمَّ مَعْنَى