الغلو في النبي ﷺ
إن بسط هذا الموضوع يحتاج إلى مقام أكبر، وما ذلك إلا لكثرة ما وقع من الخبط والضلال في هذا الباب نسأل الله الهداية والعصمة والعافية، والناس في محبة رسول الله ﷺ طرفان ووسط، أما الوسط فهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة.
وقد تقدم الحديث عنهم فهم الذين ساروا على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في أمر هذه المحبة، كما ساروا عليه في سالف أمور الدين الاعتقادية والعملية.
ومن ذلك أنهم لم يجاوزوا للنبي ﷺ قدره، ولم ينقصوه -أيضاً- حقه.
فمثلاً: الحديث المتفق عليه حديث عبادة بن الصامت الذي يقول فيه النبي ﷺ: ﴿من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل﴾.
هذا الحديث يعمل به أهل السنة والجماعة مع فهمهم لمدلوله وحقيقته، فقد نص على الشهادة بأن محمداً عبده ورسوله.
فعبده تقتضي: ألاَّ يرفع إلى مقام الألوهية، فهو مهما علت منزلته -وهي منزلة عليا بلا شك- وليس أعلى منه أحد من الخلق في المنزلة، مهما بلغ فهو لا يصل إلى مقام الألوهية أبداً فهو عبد، وكماله ﷺ، إنما هو بتحقيقه لكمال العبودية لربه ﷿.
فلم يحقق ذلك أحد من البشر مثلما حققه رسول الله ﷺ فهو العبد الكامل المصطفى المجتبى الذي استحق أن يوصف بذلك في أعلى درجات التكريم، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١].
فهو عبده، وهو رسوله، فكما أنه لا يزاد عن قدره ﷺ، فكذلك لا يعامل كسائر البشر؛ لأنه رسوله ﷺ، وهذه ميزة عظمى، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] فالله ﵎ فضَّله بهذا الوحي وبهذه الرِّسالة.
فكونه رسول الله ﷺ يقتضي كل ما ذكرنا من اللوازم: من الاتباع، والطاعة، وامتثال الأمر، والوقوف عند حدود ما شرع، وأن لا يعبد الله إلا بما جاء به ﷺ، وأن لا يقدم على قوله قول أحد كائناً من كان إلى آخر ما ذكرنا فهذا يقتضيه قوله ﷺ.