وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ مَن قرأَه (¬١): (جعَله دكاءَ) بالمدِّ وتركِ الإجراءِ (¬٢)؛ لدلالةِ الخبرِ الذى روَيناه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على صحتِه، وذلك أنه رُوِي عنه ﵇ أنه قال: "فساخ الجَبَلُ". ولم يقلْ: فتفتَّت. ولا: تحوَّل ترابًا. ولا شكَّ أنه إذا ساخ فذهَب، ظهَر وجهُ الأرضِ، فصار بمنزلةِ الناقةِ التي قد ذهَب سَنامُها وصارت دكّاء لا سَنامَ لها (¬٣). وأما إذا دُكَّ بعضُه، فإنما يكسَرُ بعضُه بعضًا " [ويُفَتِّتُ] (¬٤) ولا يَسوخُ. وأما الدَّكاءُ، فإنها خَلَفٌ مِن الأَرضِ، فلذلك أُنِّثَت (¬٥) على ما قد على ما قد بيَّنْتُ.
فمعنى الكلامِ إذن: فلما تجلى ربُّه للجبلِ ساخ، فجعَل مكانَه أرضًا دكّاءَ.
وقد بيَّنَّا معنى "الصعقِ" بشواهدِه قبلُ (¬٦) فيما مضى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (¬٧).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما ثاب إلى موسى فهمُه مِن غَشيتِه - وذلك هو الإفاقةُ من الصعقةِ التي خرّ لها موسى - قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهًا لك يا ربِّ وتبرئةً لك (¬٨) أن يراكَ أحدٌ في الدنيا ثم يعيشَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ مِن مسألتي إياك ما