Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِلَّا كَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ. وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ قَبْلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِنْ قَبْلِهِمْ، تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّهُمْ سَلَفُهُمْ فِي هَذَا الضَّلَالِ وَعَلَى أَنَّهُمُ اقْتَدَوْا بِهِمْ.
وَجُمْلَةُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ، وَالْمَعْطُوفُ هُوَ الْمَعْلُولُ، وَقَدْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ مَعْنَى كَافِ التَّشْبِيهِ لِذَلِكَ. فَالْمَعْنَى: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ كَمَا وَفَّيْنَا أَسْلَافَهُمْ.
وَالتَّوْفِيَةُ: إِكْمَالُ الشَّيْءِ غَيْرِ مَنْقُوصٍ.
وَالنَّصِيبُ: أَصْلُهُ الْحَظُّ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ (مُوَفُّوهُمْ) وَ (نَصِيبَهُمْ) هُنَا اسْتِعْمَالًا تَهَكُّمِيًّا كَأَنَّ لَهُمْ عَطَاءً يَسْأَلُونَهُ فَوُفُّوهُ، فَوَقَعَ قَوْلُهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ حَالًا مُؤَكِّدَةً لِتَحْقِيقِ التَّوْفِيَةِ زِيَادَةً فِي التَّهَكُّمِ، لِأَنَّ مِنْ إِكْرَامِ الْمَوْعُودِ بِالْعَطَاءِ أَنْ يُؤَكَّدَ لَهُ الْوَعْدُ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ بِالْبِشَارَةِ.
وَالْمُرَادُ نَصِيبُهُمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَأْصِلْهُمْ كَمَا اسْتَأْصَلَ الْأُمَمَ السَّابِقَة ببركة
النبيء ﷺ إِذْ قَالَ: «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ»
. [١١٠]
[سُورَة هود (١١) : آيَة ١١٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ.
اعْتِرَاض لتثبيت النبيء ﷺ وَتَسْلِيَتِهِ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَدْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُمْ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَأْسَ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْمِكَ عَلَيْكَ،
فَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ [هود: ١٠٩] .
وَلِأَجْلِ مَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّثْبِيتِ فَرَّعَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [هود: ١١٢] .
وَقَوْلُهُ: فَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ. وَمَعْنَى الِاخْتِلَافِ فِيهِ اخْتِلَافُ أَهْلِ التَّوْرَاةِ فِي تَقْرِيرِ بَعْضِهَا وَإِبْطَالِ بَعْضٍ، وَفِي إِظْهَارِ بَعْضِهَا
Juz 12, halaman 169 ›
وَإِخْفَاءِ بَعْضٍ مِثْلَ حُكْمِ الرَّجْمِ، وَفِي تَأْوِيلِ الْبَعْضِ عَلَى هَوَاهُمْ، وَفِي إِلْحَاقِ أَشْيَاءَ بِالْكِتَابِ عَلَى أَنَّهَا مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٧٩] .
فَهَذَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ لَا مِنْ جَمِيعِهِمْ فَيَقْتَضِي الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ بَيْنَ مُثْبِتٍ وَنَافٍ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ بِأَنْوَاعِهِ وَأَحْوَالِهِ يَرْجِعُ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ.
فَجُمِعَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي جَمْعًا بَدِيعًا فِي تَعْدِيَةِ الِاخْتِلَافِ بِحَرْفِ (فِي) الدَّالَّةِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَهِيَ كَالْمُلَابَسَةِ، أَيْ فَاخْتُلِفَ اخْتِلَافًا يُلَابِسُهُ، أَيْ يُلَابِسُ الْكِتَابَ.
وَلِأَنَّ الْغَرَضَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِبَيَانِ الْمُخْتَلِفِينَ وَلَا بِذَمِّهِمْ لِأَنَّ مِنْهُمُ الْمَذْمُومَ وَهُمُ الَّذِينَ أَقْدَمُوا عَلَى إِدْخَالِ الِاخْتِلَافِ، وَمِنْهُمُ الْمَحْمُودَ وَهُمُ الْمُنْكِرُونَ عَلَى الْمُبَدِّلِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ مَا يَعْمَلُونَ [الْمَائِدَة: ٦٦] وَسَيَجِيءُ قَوْلُهُ:
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ [هود: ١١١] ، بَلْ كَانَ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهِ.
بُنِيَ فِعْلُ (اخْتُلِفَ) لِلْمَجْهُولِ إِذْ لَا غَرَضَ إِلَّا فِي ذِكْرِ الْفِعْلِ لَا فِي فَاعِلِهِ.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةٍ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [هود: ١٠٩] وَيَكُونُ الِاعْتِرَاضُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَاخْتُلِفَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ فَضَمِيرُ بَيْنَهُمْ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ: مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ [هود: ١٠٩] أَيْ وَلَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ أَنْ يُؤَخِّرَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، أَيْ لَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ، فَأَهْلَكَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُخَالِفِينَ وَنَصَرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ هُوَ نَائِبُ فَاعِلِ (قُضِيَ) . وَالتَّقْدِيرُ: لَوَقَعَ الْعَذَابُ بَيْنَهُمْ، أَيْ فِيهِمْ.
Juz 12, halaman 170 ›
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ بَيْنَهُمْ عَائِدًا إِلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: فَاخْتُلِفَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَمَاعَةً مُخْتَلِفِينَ فِي أَحْكَامِ الْكِتَابِ. وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ مُتَعَلِّقًا بِ (قُضِيَ) ، أَيْ لِحُكْمٍ بَيْنَهُمْ بِإِظْهَارِ الْمُصِيبِ مِنَ الْمُخْطِئِ فِي أَحْكَامِ
الْكِتَابِ فَيَكُونُ تَحْذِيرًا مِنَ الِاخْتِلَافِ، أَيْ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ أَمْهَلَ اللَّهُ الْمُخْتَلِفِينَ فَتَرَكَهُمْ فِي شَكٍّ. وَلَيْسَ مِنْ سُنَّةِ اللَّهِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فَيُوقِفَهُمْ عَلَى تَمْيِيزِ الْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ، أَيْ فَعَلَيْكُمْ بِالْحَذَرِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي كِتَابِكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنِ اخْتَلَفْتُمْ بَقِيتُمْ فِي شَكٍّ وَلَحِقَكُمْ جَزَاءُ أَعْمَالِكُمْ.
والكلمة هِيَ إِرَادَةُ اللَّهِ الْأَزَلِيَّةُ وَسُنَّتُهُ فِي خَلْقِهِ. وَهِيَ أَنَّهُ وَكَلَّ النَّاسَ إِلَى إِرْشَادِ الرُّسُلِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى النَّظَرِ فِي الْآيَاتِ، ثُمَّ إِلَى بَذْلِ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ، وَالسَّعْيِ إِلَى الِاتِّفَاقِ وَنَبْذِ الْخِلَافِ بِصَرْفِ الْأَفْهَامِ السَّدِيدَةِ إِلَى الْمَعَانِي، وَبِالْمُرَاجَعَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَالتَّبَصُّرِ فِي الْحَقِّ، وَالْإِنْصَافِ فِي الْجَدَلِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَأَنْ يَجْعَلُوا الْحَقَّ غَايَتَهُمْ وَالِاجْتِهَادَ دَأْبَهُمْ وَهِجِّيرَاهُمْ. وَحِكْمَةُ ذَلِكَ هِيَ أَنَّ الْفَصْلَ وَالِاهْتِدَاءَ إِلَى الْحَقِّ مُصْلَحَةٌ لِلنَّاسِ وَمَنْفَعَةٌ لَهُمْ لَا لِلَّهِ. وَتَمَامُ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يَبْذُلُوا اجْتِهَادَهُمْ وَيَسْتَعْمِلُوا أَنْظَارَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى زِيَادَةِ تَعَقُّلِهِمْ وَتَفْكِيرِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١١٥] وَقَوْلِهِ: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٧] .
وَوَصَفَهَا بِالسَّبْقِ لِأَنَّهَا أَزَلِيَّةٌ، بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهَا، وَبِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى سُنَّةٍ كُلِّيَّةٍ تَقَرَّرَتْ مِنْ قَبْلُ.
وَمَعْنَى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ قَضَاءُ اسْتِئْصَالِ الْمُبْطِلِ وَاسْتِبْقَاءِ الْمُحِقِّ، كَمَا قَضَى اللَّهُ بَيْنَ الرُّسُلِ وَالْمُكَذِّبِينَ، وَلَكِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ خِلَافَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَهْمِ الْأُمَّةِ كِتَابَهَا.
وَضَمِيرُ بَيْنَهُمْ يَعُودُ إِلَى الْمُخْتَلِفِينَ الْمُفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَالْقَرِينَةُ وَاضِحَةٌ.
Juz 12, halaman 171 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.