﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: بشرطِ أن تؤمنوا، وإنما قيَّدَ به لظهورِ فائدتها معهُ، وإن كان معَ الكفرِ نجاةٌ عن تبِعَتها، وذلك لأن حصولَ الثواب بها مشروطٌ بالإيمانِ، ولا يظهَرُ على الكافر أثرُ النجاةِ من تبعة البخسِ لانغماسه (¬١) في غمراتِ الكفرِ، وفي ذلك تعظيمٌ للإيمان وتنبيهٌ على جلالة قدرِه، وإيماءٌ إلى أنْ لا فائدةَ للحسنات بدونِه.
أو: إن كنتم مصدِّقين لي في نصحي إيَّاكُم.
وقيلَ: البقيةُ الطاعةُ؛ أي: ما يبقَى لكم عند اللهِ تعالى من الطاعاتِ خيرٌ مما يَفْنَى (¬٢)؛ كقولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وإضافتُها إلى اللهِ تعالى تعظيمٌ لها وتشريفٌ بنسبتِها (¬٣) إليهِ.
وقرئ: (تَقيَّة) الله بالتاءِ (¬٤)، وهي تَقْواه التي تَكُفُّ عن المعاصي والقبائحِ.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ تقديمُ الظرفِ وإيلاؤه حرفَ النفي وعيدٌ بليغٌ؛ أي: اللهُ حفيظٌ عليكم ومجازيكم بها لا أنا، إنما أنا نذيرٌ مبلِّغٌ، وقد أنذرتُ وبلَّغت ونصحتُ وأعذرتُ.
* * *
(٨٧) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
Juz 5, halaman 200 ›
﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنامِ، أجابوا بهِ بعد أمرِهم بعبادةِ الله تعالى وترك عبادة الأوثانِ، وبإيفاء الحقوقِ، على طريق السخريةِ والاستهزاءِ حيث أسندوا الأمرَ إلى الصلاةِ إشعاراً بأن المأمورَ مما لا يُؤمَرُ به العقلاءُ؛ لأنَّه أمر وسوسةٍ وجنونٍ، لا أمر فطنةٍ أو (¬١) عقلٍ.
وأما تخصيصُهم الصلاة بالإسنادِ إليها لأنَّه ﵇ كان يصلي، وكانوا يقولون لهُ: ما تستفيدُ بهذا؟ فيقولُ: إنها تأمرُ بالمحاسنِ وتنهى عن المساوئ، كما عرَّفه اللهُ تعالى عبادَه بقول (¬٢): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فقالوا له على وجه التهكُّمِ به: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ … ﴾ الخ ففيه استهزاءٌ من وجهٍ آخرَ.
وأما جمعُها فلأنه ﵇ كان كثيرَ الصلاةِ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزُون ويضحَكُون استبعاداً منهم أن يفعَلَ مثلَ ذلك الأفعالِ؛ ففي إتيانها (¬٣) على صيغةِ الجمع إشارةٌ إلى نوعٍ آخرَ من الاستهزاء له.
ثم إنهم جعلُوه ﵇ مأموراً بفعل الغيرِ دلالةً على إفراطِه في ذلك كأنَّ نفسها مأمورٌ بهِ، وذلك أن في الأمرِ بنهي الغيرِ يكفي الإبلاغ مرةً أو مرتين، وهو ﵇ قد واظَبَ على ذلك فنزَّلُوه منزلة المأمورِ بإتيان التركِ الواجبِ على الغيرِ، وهذا أيضاً نوع من الاستهزاءِ منهم مبناه على اعتبارٍ دقيقٍ، ولهذا غفلَ عنه الناظرون في هذا المقامِ، حتى ذهبوا إلى تقديرِ المضافِ؛ أي: تأمرُكَ بتكليفِ أن نتركَ، فأذهَبوا حُسنَ الكلام، ولطف الاعتبارِ المناسب للمقام.
Juz 5, halaman 201 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.