Lewati ke konten

Tafsir QS. Yusuf: 54 يوسف

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴿٥٤﴾

Tafsir ayat ini menurut para ulama

Pilih kitab tafsir lain (29)

Kitab tafsir: Tafsir ar-Razi · Pengarang: الفخر الرازي

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ وَلَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هِيَ الَّتِي تَصْرِفُ الْإِسَاءَةَ كَقَوْلِهِ: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: ٤٨] إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا [يس: ٤٤] .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْحُكَمَاءُ فِي أَنَّ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ مَا هِيَ؟ وَالْمُحَقِّقُونَ قَالُوا إِنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَهَا صِفَاتٌ كَثِيرَةٌ فَإِذَا مَالَتْ إِلَى الْعَالَمِ الْإِلَهِيِّ كَانَتْ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، وَإِذَا مَالَتْ إِلَى الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ كَانَتْ أَمَّارَةً بِالسُّوءِ، وَكَوْنُهَا أَمَّارَةً بِالسُّوءِ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ النَّفْسَ مِنْ أَوَّلِ حُدُوثِهَا قَدْ أَلِفَتِ الْمَحْسُوسَاتِ وَالْتَذَّتْ بِهَا وَعَشِقَتْهَا، فَأَمَّا شُعُورُهَا بِعَالَمِ الْمُجَرَّدَاتِ وَمَيْلُهَا إِلَيْهِ، فَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا نَادِرًا فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، فَالْوَاحِدِ وَذَلِكَ الْوَاحِدُ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ التَّجَرُّدُ وَالِانْكِشَافُ طُولَ عُمُرِهِ فِي الْأَوْقَاتِ النَّادِرَةِ فَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ هُوَ انْجِذَابُهَا إِلَى الْعَالَمِ الْجَسَدَانِيِّ وَكَانَ مَيْلُهَا إِلَى الصُّعُودِ إِلَى الْعَالَمِ الْأَعْلَى نَادِرًا لَا جَرَمَ حُكِمَ عَلَيْهَا بِكَوْنِهَا أَمَّارَةً بِالسُّوءِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّفْسَ الْمُطْمَئِنَّةَ هِيَ النَّفْسُ الْعَقْلِيَّةُ النُّطْقِيَّةُ، وَأَمَّا النَّفْسُ الشَّهْوَانِيَّةُ وَالْغَضَبِيَّةُ فَهُمَا مُغَايِرَتَانِ لِلنَّفْسِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ الْحَقِّ فِي هَذَا الْبَابِ مَذْكُورٌ فِي الْمَعْقُولَاتِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: تَمَسَّكَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الطَّاعَةَ وَالْإِيمَانَ لَا يَحْصُلَانِ إِلَّا مِنَ اللَّه بِقَوْلِهِ: / إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي قَالُوا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ انْصِرَافَ النَّفْسِ مِنَ الشَّرِّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِرَحْمَتِهِ وَلَفْظُ الْآيَةِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ مَتَى حَصَلَتْ تِلْكَ الرَّحْمَةُ حَصَلَ ذَلِكَ الِانْصِرَافُ. فَنَقُولُ: لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ بِإِعْطَاءِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ وَالْأَلْطَافِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ فَوَجَبَ تَفْسِيرُهَا بِشَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ تَرْجِيحُ دَاعِيَةِ الطَّاعَةِ عَلَى دَاعِيَةِ الْمَعْصِيَةِ وَقَدْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ أَيْضًا بِالْبُرْهَانِ القاطع وحينئذ يحصل منه المطلوب.

[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]

وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)

[في قَوْلُهُ تَعَالَى وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ] فِي الْآيَةِ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْمَلِكِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ الْعَزِيزُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ الرَّيَّانُ الَّذِي هُوَ الْمَلِكُ الْأَكْبَرُ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَ يُوسُفَ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ، وَقَدْ كَانَ يُوسُفُ ﵇ قَبْلَ ذَلِكَ خَالِصًا لِلْعَزِيزِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَلِكَ هُوَ الْمَلِكُ الْأَكْبَرُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:

ذَكَرُوا أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ دَخَلَ عَلَى يُوسُفَ ﵇ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ وَقَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي مِنْ عِنْدِكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَارْزُقْنِي مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ» فَقَبِلَ اللَّه دُعَاءَهُ

وَأَظْهَرَ هَذَا السَّبَبَ فِي تَخْلِيصِهِ مِنَ السِّجْنِ، وَتَقْرِيرُ الْكَلَامِ: أَنَّ الْمَلِكَ عَظُمَ اعْتِقَادُهُ فِي يُوسُفَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَظُمَ اعْتِقَادُهُ فِي عِلْمِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْجَوَابِ وَقَدَرَ هُوَ عَلَى الْجَوَابِ الْمُوَافِقِ الَّذِي يَشْهَدُ الْعَقْلُ بِصِحَّتِهِ مَالَ الطَّبْعُ إِلَيْهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَظُمَ اعْتِقَادُهُ فِي صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ بَقِيَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ لَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ مَا أَسْرَعَ إِلَى الْخُرُوجِ بَلْ صَبَرَ وَتَوَقَّفَ وَطَلَبَ أَوَّلًا مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ حَالِهِ عَنْ جَمِيعِ التُّهَمِ، وَثَالِثُهَا:

أَنَّهُ عَظُمَ اعْتِقَادُهُ فِي حُسْنِ أَدَبِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يُوسُفَ:

Juz 18, halaman 471 ›

٥٠] وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ ذِكْرَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فَسَتَرَ ذِكْرَهَا، وَتَعَرَّضَ لِأَمْرِ سَائِرِ النِّسْوَةِ مَعَ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَتِهَا أَنْوَاعٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْبَلَاءِ/ وَهَذَا مِنَ الْأَدَبِ الْعَجِيبِ. وَرَابِعُهَا: بَرَاءَةُ حَالِهِ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّهَمِ فَإِنَّ الْخَصْمَ أَقَرَّ لَهُ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالْبَرَاءَةِ عَنِ الْجُرْمِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الشَّرَابِيَّ وَصَفَ لَهُ جِدَّهُ فِي الطَّاعَاتِ وَاجْتِهَادَهُ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الَّذِينَ كَانُوا فِي السِّجْنِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ بَقِيَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُوجِبُ حُسْنَ الِاعْتِقَادِ فِي الْإِنْسَانِ، فَكَيْفَ مَجْمُوعُهَا، فَلِهَذَا السَّبَبِ حَسُنَ اعْتِقَادُ الْمَلِكِ فِيهِ وَإِذَا أَرَادَ اللَّه شَيْئًا جَمَعَ أَسْبَابَهُ وَقَوَّاهَا.

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَمَّا ظَهَرَ لِلْمَلِكِ هَذِهِ الْأَحْوَالُ مِنْ يُوسُفَ ﵇ رَغِبَ أَنْ يَتَّخِذَهُ لِنَفْسِهِ فَقَالَ:

ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي

رُوِيَ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ لِيُوسُفَ ﵇ قُمْ إِلَى الْمَلِكِ مُتَنَظِّفًا مِنْ دَرَنِ السِّجْنِ بِالثِّيَابِ النَّظِيفَةِ وَالْهَيْئَةِ الْحَسَنَةِ فَكَتَبَ عَلَى بَابِ السِّجْنِ هَذِهِ مَنَازِلُ الْبَلْوَى وَقُبُورُ الْأَحْيَاءِ وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ وَتَجْرِبَةُ الْأَصْدِقَاءِ، وَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِخَيْرِكَ مِنْ خَيْرِهِ وَأَعُوذُ بِعِزَّتِكَ وَقُدْرَتِكَ مِنْ شَرِّهِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالِاسْتِخْلَاصُ طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِنْ شَوَائِبِ الِاشْتِرَاكِ وَهَذَا الْمَلِكُ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ يُوسُفُ لَهُ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ

لِأَنَّ عَادَةَ الْمُلُوكِ أَنْ يَنْفَرِدُوا بِالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الرَّفِيعَةِ فَلَمَّا عَلِمَ الْمَلِكُ أَنَّهُ وَحِيدُ زَمَانِهِ وَفَرِيدُ أَقْرَانِهِ أَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ.

رُوِيَ أَنَّ الْمَلِكَ قَالَ لِيُوسُفَ ﵇ مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَأُحِبُّ أَنْ تُشْرِكَنِي فِيهِ إِلَّا فِي أَهْلِي وَفِي أَنْ لَا تَأْكُلَ مَعِي فَقَالَ يُوسُفُ ﵇، أَمَا تَرَى أَنْ آكُلَ مَعَكَ، وَأَنَا يوسف بن يعقوب بن إسحاق الذبيح بن إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇، ثُمَّ قَالَ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ

وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ فَلَمَّا كَلَّمَ الْمَلِكُ يُوسُفَ ﵇ قَالُوا لِأَنَّ فِي مَجَالِسِ الْمُلُوكِ لَا يَحْسُنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْكَلَامِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَبْتَدِئُ بِهِ هُوَ الْمَلِكُ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ: فَلَمَّا كَلَّمَ يُوسُفُ الْمَلِكَ

قِيلَ: لَمَّا صَارَ يُوسُفُ إِلَى الْمَلِكِ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَقْتَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا رَآهُ الْمَلِكُ حَدَثًا شَابًّا قَالَ لِلشَّرَابِيِّ: هَذَا هُوَ الَّذِي عَلِمَ تَأْوِيلَ رُؤْيَايَ مَعَ أَنَّ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ مَا عَلِمُوهَا قَالَ نَعَمْ، فَأَقْبَلَ عَلَى يُوسُفَ وَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا مِنْكَ شِفَاهًا،

فَأَجَابَ بِذَلِكَ الْجَوَابِ شِفَاهًا وَشَهِدَ قَلْبُهُ بِصِحَّتِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ يُقَالُ: فُلَانٌ مَكِينٌ عِنْدَ فُلَانٍ بَيِّنُ الْمَكَانَةِ أَيِ الْمَنْزِلَةِ، وَهِيَ حَالَةٌ يَتَمَكَّنُ بِهَا صَاحِبُهَا مِمَّا يُرِيدُ. وَقَوْلُهُ: أَمِينٌ أَيْ قَدْ عَرَفْنَا أَمَانَتَكَ وَبَرَاءَتَكَ مِمَّا نُسِبْتَ إِلَيْهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: مَكِينٌ أَمِينٌ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كَوْنِهِ مَكِينًا مِنَ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ. أَمَّا الْقُدْرَةُ فَلِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ الْمُكْنَةُ. وَأَمَّا الْعِلْمُ فَلِأَنَّ كَوْنَهُ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا يَنْبَغِي وَبِمَا لَا يَنْبَغِي لَا يُمْكِنُهُ تَخْصِيصُ مَا يَنْبَغِي/ بِالْفِعْلِ، وَتَخْصِيصُ مَا لَا يَنْبَغِي بِالتَّرْكِ، فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ مَكِينًا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ. أَمَّا كَوْنُهُ أَمِينًا فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ حَكِيمًا لَا يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِدَاعِي الشَّهْوَةِ بَلْ إِنَّمَا يَفْعَلُهُ لِدَاعِي الْحِكْمَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ مَكِينًا أَمِينًا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ قَادِرًا، وَعَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِمَوَاقِعِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ، وَعَلَى كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ لِدَاعِي الْحِكْمَةِ لَا لِدَاعِيَةِ الشَّهْوَةِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ فِعْلُ الشَّرِّ وَالسَّفَهِ فَلِهَذَا الْمَعْنَى لَمَّا حَاوَلَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِثْبَاتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ قَالُوا إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِقُبْحِ الْقَبِيحِ عَالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ وَكُلُّ مَنْ

Juz 18, halaman 472 ›

كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَفْعَلِ الْقَبِيحَ قَالُوا: وَإِنَّمَا يَكُونُ غَنِيًّا عَنِ الْقَبِيحِ إِذَا كَانَ قَادِرًا، وَإِذَا كَانَ مُنَزَّهًا عَنْ دَاعِيَةِ السَّفَهِ فَثَبَتَ أَنَّ وَصْفَهُ بِكَوْنِهِ مَكِينًا أَمِينًا نِهَايَةُ مَا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثُمَّ حَكَى تَعَالَى أَنَّ يُوسُفَ ﵇ قَالَ فِي هَذَا الْمَقَامِ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا عَبَّرَ يُوسُفُ ﵇ رُؤْيَا الْمَلِكِ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَمَا تَرَى أَيُّهَا الصِّدِّيقُ قَالَ: أَرَى أَنْ تَزْرَعَ فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْمُخْصِبَةِ زَرْعًا كَثِيرًا وَتَبْنِيَ الْخَزَائِنَ وَتَجْمَعَ فِيهَا الطَّعَامَ فَإِذَا جَاءَتِ السُّنُونَ الْمُجْدِبَةُ بِعْنَا الْغَلَّاتِ فَيَحْصُلُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مَالٌ عَظِيمٌ فَقَالَ الْمَلِكُ وَمَنْ لِي بِهَذَا الشُّغْلِ فَقَالَ يُوسُفُ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أَيْ عَلَى خَزَائِنِ أَرْضِ مِصْرَ وَأَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَعْهُودُ السَّابِقُ.

رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: «رَحِمَ اللَّه أَخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ أَخَّرَهُ عَنْهُ سَنَةً»

وَأَقُولُ هَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَأَبَّى عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ سَهَّلَ اللَّه عَلَيْهِ ذَلِكَ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَلَمَّا تَسَارَعَ فِي ذِكْرِ الِالْتِمَاسِ أَخَّرَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ التَّصَرُّفِ وَالتَّفْوِيضِ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى اللَّه تَعَالَى أَوْلَى.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ طَلَبَ يُوسُفُ الْإِمَارَةَ

وَالنَّبِيُّ ﵊ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ»

وَأَيْضًا فَكَيْفَ طَلَبَ الْإِمَارَةَ مِنْ سُلْطَانٍ كَافِرٍ، وَأَيْضًا لِمَ لَمْ يَصْبِرْ مُدَّةً وَلِمَ أَظْهَرَ الرَّغْبَةَ فِي طَلَبِ الْإِمَارَةِ فِي الْحَالِ، وَأَيْضًا لِمَ طَلَبَ أَمْرَ الْخَزَائِنِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، مَعَ أَنَّ هَذَا يُورِثُ نَوْعَ تُهْمَةٍ وَأَيْضًا كَيْفَ جَوَّزَ مِنْ نَفْسِهِ مَدْحَ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النَّجْمِ: ٣٢] وَأَيْضًا فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَأَيْضًا لِمَ تَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذَا فَإِنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ إِنْ شَاءَ اللَّه بِدَلِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الْكَهْفِ:

٢٣، ٢٤] فَهَذِهِ أَسْئِلَةٌ سَبْعَةٌ لَا بُدَّ مِنْ جَوَابِهَا فَنَقُولُ: الْأَصْلُ فِي جَوَابِ هَذِهِ/ الْمَسَائِلِ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي أُمُورِ الْخَلْقِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَانَ رَسُولًا حَقًّا مِنَ اللَّه تَعَالَى إِلَى الْخَلْقِ، وَالرَّسُولُ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ ﵇ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّهُ سَيَحْصُلُ الْقَحْطُ وَالضِّيقُ الشَّدِيدُ الَّذِي رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى هَلَاكِ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ، فَلَعَلَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِأَنْ يُدَبِّرَ فِي ذَلِكَ وَيَأْتِيَ بِطَرِيقٍ لِأَجْلِهِ يَقِلُّ ضَرَرُ ذَلِكَ الْقَحْطِ فِي حَقِّ الْخَلْقِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ السَّعْيَ فِي إِيصَالِ النَّفْعِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ فِي الْعُقُولِ.

وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ ﵇ كَانَ مُكَلَّفًا بِرِعَايَةِ مَصَالِحِ الْخَلْقِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَمَا كَانَ يُمْكِنُهُ رِعَايَتُهَا إِلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ، فَكَانَ هَذَا الطَّرِيقُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ وَاجِبًا سَقَطَتِ الْأَسْئِلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَمَّا تَرْكُ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَطِيئَةٍ أَوْجَبَتْ عُقُوبَةً وَهِيَ أَنَّهُ تَعَالَى أَخَّرَ عَنْهُ حُصُولَ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ سَنَةً، وَأَقُولُ: لَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَاعْتَقَدَ فِيهِ الْمَلِكُ أَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى ضَبْطِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ كَمَا يَنْبَغِي فَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى تَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِمَ مَدَحَ نَفْسَهُ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَدَحَ نَفْسَهُ لَكِنَّهُ بَيَّنَ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ النَّافِعَتَيْنِ فِي حُصُولِ هَذَا الْمَطْلُوبِ، وَبَيْنَ الْبَابَيْنِ فَرْقٌ وَكَأَنَّهُ قَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ هَذَا الْوَصْفِ لِأَنَّ الْمَلِكَ

Juz 18, halaman 473 ›

Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →