Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
وَالْأَبَدُ: مُرَادٌ مِنْهُ طُولُ الْمُدَّةِ، أَيْ هِيَ بَاقِيَةٌ بَقَاءَ أَمْثَالِهَا لَا يَعْتَرِيهَا مَا يُبِيدُهَا. وَهَذَا اغْتِرَارٌ مِنْهُ بِغِنَاهُ وَاغْتِرَارٌ بِمَا لِتِلْكَ الْجَنَّةِ مِنْ وُثُوقِ الشَّجَرِ وَقُوَّتِهِ وَثُبُوتِهِ وَاجْتِمَاعِ أَسْبَابِ نَمَائِهِ وَدَوَامِهِ حَوْلَهُ، مِنْ مِيَاهٍ وَظِلَالٍ.
وَانْتَقَلَ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنِ اعْتِقَادِهِ دَوَامَ تِلْكَ الْجَنَّةِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنِ اعْتِقَادِهِ بِنَفْيِ قِيَامِ السَّاعَةِ.
وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْمُعْتَقَدَيْنَ. وَلَكِنَّهُ أَرَادَ التَّوَرُّكَ عَلَى صَاحِبِهِ الْمُؤْمِنِ تَخْطِئَةً إِيَّاهُ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً تَهَكُّمًا بِصَاحِبِهِ. وَقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهُ: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً. وَهَذَا كَقَوْلِ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ لِخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ «لَيَكُونَنَّ لِي مَالٌ هُنَالِكَ فَأَقْضِيَكَ دَيْنَكَ مِنْهُ» .
وَأَكَدَّ كَلَامَهُ بِلَامِ الْقَسَمِ وَنُونِ التَّوْكِيدِ مُبَالَغَةً فِي التَّهَكُّمِ.
وَانْتَصَبَ مُنْقَلَباً عَلَى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ الْخَبَرِ. وَالْمُنْقَلَبُ: الْمَكَانُ الَّذِي يُنْقَلَبُ إِلَيْهِ، أَيْ يُرْجَعُ.
وَضَمِيرُ مِنْهُمَا لِلْجَنَّتَيْنِ عَوْدًا إِلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ تَفَنُّنًا فِي حِكَايَةِ كَلَامِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ مِنْهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ
مِنْها بِالْإِفْرَادِ جَرْيًا عَلَى قَوْلِهِ: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَقَوْلِهِ: أَنْ تَبِيدَ هذِهِ.
[٣٧- ٤١]
[سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ٣٧ الى ٤١]
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١)
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
حُكِيَ كَلَامُ صَاحِبِهِ بِفِعْلِ الْقَوْلِ بِدُونِ عَطْفٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمُحَاوَرَةِ وَالْمُجَاوَبَةِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
Juz 15, halaman 321 ›
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مُسْتَعْمل فِي التَّعَجُّب وَالْإِنْكَارِ، وَلَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، لِأَنَّ الصَّاحِبَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ مُشْرِكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَهُ: وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً. فَالْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْإِشْرَاكُ الَّذِي مِنْ جُمْلَةِ مُعْتَقَدَاتِهِ إِنْكَارُ الْبَعْثِ، وَلِذَلِكَ عُرِفَ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ لِأَنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصْرِفَ مَنْ يُدْرِكُهُ عَنِ الْإِشْرَاكِ بِهِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ النَّاسَ فَمَا كَانَ غَيْرُ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبَادَةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْعِلْمَ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصْرِفَ الْإِنْسَانَ عَنْ إِنْكَارِ الْخَلْقِ الثَّانِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥] ، وَقَالَ:
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الرّوم: ٢٧] ، فَكَانَ مَضْمُونُ الصِّلَةِ تَعْرِيضًا بِجَهْلِ الْمُخَاطَبِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ تُرابٍ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَجْزَاءِ الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنْهَا النُّطْفَةُ وَهِيَ أَجْزَاءُ الْأَغْذِيَةِ الْمُسْتَخْلَصَةِ مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ [يس: ٣٦] .
وَالنُّطْفَةُ: مَاءُ الرَّجُلِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّطْفِ وَهُوَ السَّيَلَانُ. وسَوَّاكَ عَدَلَ خَلْقَكَ، أَيْ جَعَلَهُ مُتَنَاسِبًا فِي الشَّكْلِ وَالْعَمَلِ.
وَ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ابْتِدَائِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي
كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ بِأَلْفٍ بَعْدِ النُّونِ. وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ الْعَشَرَةُ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَلْفِ فِي النُّطْقِ فِي حَالِ الْوَقْفِ، وَأَمَّا فِي حَالِ الْوَصْلِ فَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِدُونِ نُطْقٍ بِالْأَلْفِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِإِثْبَاتِ النُّطْقِ بِالْأَلْفِ فِي حَالِ الْوَصْلِ، وَرَسْمُ الْمُصْحَفِ يَسْمَحُ بِكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ.
وَلَفْظُ لكِنَّا مُرَكَّبٌ مِنْ (لَكِنْ) بِسُكُونِ النُّونِ الَّذِي هُوَ حَرْفُ اسْتِدْرَاكٍ، وَمِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ (أَنَا) . وَأَصْلُهُ: لَكِنْ أَنَا، فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا كَمَا قَالَ الزَّجَّاجُ، أَيْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لَا لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْهَمْزَةِ حُكْمُ
Juz 15, halaman 322 ›
الثَّابِتِ فَلَمْ تَمْنَعْ مِنَ الْإِدْغَامِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْهُ مَا هُوَ مَحْذُوفٌ لِعِلَّةِ بِنَاءٍ عَلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ لِعِلَّةٍ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ، وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى نُونِ (لَكِنِ) السَّاكِنَةِ دَلِيلًا عَلَى الْمَحْذُوفِ فَالْتَقَى نُونَانِ مُتَحَرِّكَتَانِ فَلَزِمَ إِدْغَامُهُمَا فَصَارَ (لَكْنَا) . وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (لَكِنَّ) الْمُشَدَّدَةَ النُّونِ الْمَفُتُوحَتَهَا أُشْبِعَتْ فَتْحَتُهَا، لِأَنَّ لَكِنَّ الْمُشَدَّدَةَ مِنْ أَخَوَاتِ إِنَّ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ بَعْدَهَا مَنْصُوبًا وَلَيْسَ هُنَا مَا هُوَ ضَمِيرُ نَصْبٍ، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ ضَمِيرِ (أَنَا) ضَمِيرَ نَصْبِ اسْمِ (لَكِنَّ) لِأَنَّ ضَمِيرَ الْمُتَكَلِّمِ الْمَنْصُوبِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِيَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَا اعْتِبَارُهُ ضَمِيرَ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ لِمُنَافَاتِهِ لِإِفْرَادِ ضَمَائِرِهِ بَعْدَهُ فِي قَوْلِهِ: هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً.
(فَأَنَا) مُبْتَدَأٌ، وَجُمْلَةُ هُوَ اللَّهُ رَبِّي ضَمِيرُ شَأْنٍ وَخَبَرُهُ، وَهِيَ خَبَرُ (أَنَا) ، أَيْ شَأْنِي هُوَ اللَّهُ رَبِّي. وَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ: هُوَ اللَّهُ رَبِّي مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِقْرَارِ، أَيْ أَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ رَبِّي خِلَافًا لَكَ.
وَمَوْقِعُ الِاسْتِدْرَاكِ مُضَادَّةُ مَا بَعْدَ (لَكِنْ) لما قبلهَا، وَلَا سِيمَا إِذَا كَانَ الرَّجُلَانِ أَخَوَيْنِ أَوْ خَلِيلَيْنِ كَمَا قِيلَ فَإِنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ اعْتِقَادَهُمَا سَوَاءٌ.
وَأَكَّدَ إِثْبَاتَ اعْتِرَافِهِ بِالْخَالِقِ الْوَاحِدِ بِمُؤَكِّدَاتٍ أَرْبَعَةٍ، وَهِيَ: الْجُمْلَتَانِ الِاسْمِيَّتَانِ، وَضَمِيرُ الشَّأْنِ فِي قَوْلِهِ: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، وَتَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي قَوْله:
اللَّهُ رَبِّي الْمُفِيدِ قَصْرَ صِفَةِ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ قَصْرًا إِضَافِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِمُخَاطِبِهِ، أَيْ دُونَكَ إِذْ تَعْبُدُ آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ، وَمَا الْقَصْرُ إِلَّا تَوْكِيدٌ مُضَاعَفٌ، ثُمَّ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ: وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً.
وَعَطْفُ جُمْلَةِ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ عَلَى جُمْلَةِ أَكَفَرْتَ عَطْفُ إِنْكَارٍ عَلَى إِنْكَارٍ.
وَ (لَوْلَا) لِلتَّوْبِيخِ، كَشَأْنِهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي، نَحْو لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ
شُهَداءَ
[النُّور: ١٣] ، أَيْ كَانَ الشَّأْنُ أَنْ تَقُولَ مَا شاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ عِوَضَ قَوْلِكَ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً [الْكَهْف: ٣٦] . وَالْمَعْنَى:
أَكَفَرْتَ بِاللَّهِ وَكَفَرْتَ نِعْمَتَهُ.
Juz 15, halaman 323 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.