الإعراب: ﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْقُرى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان، أو في محل نصب حال من أهل القرى، والعامل في الحال اسم الإشارة. هذا؛ ويجوز أن يكون القرى بدلا من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وتبقى الجملة الفعلية خبرا لاسم الإشارة، ويجوز أن يكون: ﴿وَتِلْكَ﴾ منصوب المحل بفعل مقدر يفسره المذكور بعده، التقدير: أهلكنا أهل القرى أهلكناهم، والكلام مستأنف على جميع الاعتبارات لا محل له. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى: حين، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ على جملة الوجوه المعتبرة فيها.
﴿لِمَهْلِكِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿مَوْعِداً﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه على نحو ما رأيت في الآية السابقة قبلها؛ أي: في قوله: ﴿مِنْ دُونِهِ،﴾ تأمل. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله.
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى:﴾ هو ابن عمران بن قاهت بن لاوي، بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف سلام، وألف صلاة. هذا؛ وموسى في الأصل:
«موشى» مركبا من اسمين: الماء، والشجر، فالماء يقال له في العبرانية: (مو) والشجر يقال له:
(شا) فعربته العرب. وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء، والشجر، لمّا ألقته أمه فيه، كما هو مذكور في سورة (طه) و (القصص).
﴿لِفَتاهُ:﴾ هو يوشع بن نون، بن افراثيم، بن يوسف بن يعقوب، وهو صاحب موسى، وولي عهده بعد وفاته، وهو الذي قاتل الجبابرة بعد موسى، وفتح مدينة أريحا. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦] من سورة (المائدة) تجد ما يسرك، والفتى: الشاب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (يوسف) عليه الصلاة، والسّلام. ﴿لا أَبْرَحُ:﴾ لا أزال أسير. ﴿حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: ملتقاهما ببعضهما، واختلف في البحرين، فقيل: هما: بحر فارس، والروم. وقيل: هما: بحر الأردن، وبحر القلزم. وقيل: مجمع البحرين عند طنجة، فيكون المراد بالأولين الأبيض، والأسود، وملتقاهما هو مضيق الدردنيل، والمراد: بما بعدهما الأبيض والأحمر، وملتقاهما قناة السويس، وبما بعدهما الأبيض والأطلنطي، وملتقاهما مضيق جبل
Juz 5, halaman 503 ›
طارق، والله أعلم. ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ أي: أسير زمانا، هذا؛ وقيل: الحقب ثمانون سنة.
وقيل: سبعون، والجمع: أحقاب، وقافه تضم، وقد تسكن. هذا؛ والحقبة بكسر الحاء: واحدة الحقب، وهي السنون. قال تعالى في سورة (النبأ): ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾.
وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبيّ بن كعب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إنّ موسى ﵇ قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا، فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ». وذكر الحديث، واللفظ للبخاري. انتهى. قرطبي.
وقال ابن عباس-﵄: لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر، أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار، أمره الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه، فذكرهم ما آتاهم الله من الخير، والنعمة؛ إذ نجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، واستخلفهم في الأرض، ثم قال: وكلم الله نبيكم تكليما، واصطفاه لرسالته، وألقى عليّ محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والتوراة بعد أن كنتم جهالا. فقال له رجل من بني إسرائيل: عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟! قال: لا. فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث الله جبريل ﵇، أن يا موسى، وما يدريك أين علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك.
قال علماؤنا قوله في الحديث: «هو أعلم منك» أي: بأحكام وقائع مفصلة، وحكم نوازل معينة، لا مطلقا، بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علمكه الله، لا أعلمه أنا، وأنا على علم علمنيه، لا تعلمه أنت. فيصدق على كل واحد منهما: أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما، لا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى-﵇-هذا تشوقت نفسه الفاضلة، وهمته العالية لتحصيل ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه: إنه أعلم منك، فعزم، وسأل سؤال الذليل ب: كيف السبيل؟ فأمر بالارتحال على كل حال. وقيل له: احمل معك حوتا مالحا في مكتل، فحيث يحيا، وتفقده؛ فثمّ السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه مجتهدا طلبا قائلا:
لا أبرح حتى... إلخ. انتهى قرطبي.
هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وقيل: إن موسى ﵇ سأل ربه؛ أيّ:
عبادك أحبّ إليك؟ قال: الذي يذكرني، ولا ينساني. قال: فأي: عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق، ولا يتبع الهوى. قال: فأي: عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدل على هدى، أو ترده عن ردى، فقال: إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة.
Juz 5, halaman 504 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.