كما أنَّ الدِّفءَ اسمٌ لما يُدفَأُ به. قالَ سلامةُ بنَ جَنْدلٍ:
ورِدئي كُلُّ أبيضَ مَشرَفيٍّ … شَحِيذِ الحَدِّ عَضبٍ ذِي فُلُولِ
وقُرِئَ: (رِدًا) على التخفيف، كما قُرئَ (الخِبَ). ﴿رِدْءًا يُصَدِّ قُنِي﴾ بالرَّفْعِ والجَزْمِ صفةٌ وجوابٌ، ونحو: ﴿وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ سواء. فإن قلتَ: تصديقُ أخيه ما الفائدةُ فيه؟
قلتُ: ليسَ الغَرَضُ بتصديقِه أنْ يقولَ له: صدقتَ، أو يقولَ للناسّ: صدقَ مُوسى، وإنَّما هو أن يُلَخِّصَ بلسانِه الحقَّ، ويَبْسُطَ القولَ فيه، ويُجادِلَ به الكفَّارَ- كما يفعلُ الرَّجُلُ المِنْطِيقُ ذو العارِضةِ، فذلك جارٍ مَجرى التَّصديقِ المُقيَّدِ، كما يُصدَّقُ القَولُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (كما أنّ الدِّفْءَ اسمٌ لِما يُدْفَأُ به)، الجوهري: الدِّفْء: السخونة؛ تقولُ مِنه: دَفِئَ الرجلُ دَفاءة؛ مثل: كَرِهَ كَراهة، وكذلك: دَفِئَ دَفَأً؛ مثل: ظَمِئَ ظَمَأَ، والاسم: الدِّفْءُ، بالكسر، وهو: الشيءُ الذي يُدفِئُك، والجمع: الأَدْفاء.
قولُه: (ورِدْئي كلُّ أبيضَ) البيت، أي: عوني كلُّ سيفٍ مصقولٍ شحيذٍ حديدٍ عَضْبٍ ماضٍ، المَشْرَفيّ: منسوبٌ إلى مشارِفِ الشام، والفُلول: الكَسْرُ في حَدِّ السيف.
قولُه: (وقُرِئَ: ((رِدًا)) على التخفيف)، نافع: ((رِدًا)) بفتحِ الدالِ مِنْ غيرِ همز، والباقون: بإسكانِ الدالِ وبالهمز، وحمزة: على مذهبِهِ في الوقف.
قولُه: (﴿يَصَدِّقُنِي﴾ بالرفعِ والجزم)، عاصمٌ وحمزة، والباقون: بالجزم. وعلى قراءةِ الرفعِ: الجَوابُ محذوف.
قولُه: (ذو العارضة)، النِّهاية: في حديثِ عَمرِو بنِ الأهتم: قالَ للزِّبْرِقان: إنهُ شديدُ العارضة؛ أي: شديدُ الناحيةِ ذو جَلَدٍ وصرامة.
Juz 12, halaman 53 ›
بالبُرهان؛ ألا تَرى إلى قولِه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، وفضلُ الفصاحةِ إنَّما يُحتاجُ إليه لذلك، لا لقولِه: صدقتَ؛ فإنَّ سَحْبانَ وباقلاً يستَوِيانِ فيه-، أو يَصلَ جناحَ كلامِه بالبيان، حتّى يُصدِّقَه الذي يَخافُ تكذيبَه، فأُسنِدَ التَّصديقُ إلى هرونَ؛ لأنَّه السببُ فيه إسنادًا مجازيًّا. ومعنى الإسنادِ المجازيِّ: أنَّ التَّصديقَ حقيقةٌ في المُصدِّقِ، فإسنادُه إليه حقيقةٌ، وليس في السَّببِ تصديقٌ، ولكنِ استُعِيرَ له الإسنادُ؛ لابَسَ التَّصديقَ بالتَّسَبُّبِ كما لابَسَهُ الفاعِلُ بالمُباشَرةِ. والدَّليلُ على هذا الوجهِ قولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ وقراءة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ويصلَ جَناحَ كلامِهِ بالبيان)، شَبّهَ الكلامَ الماضي بالسّهْمِ المُرْسَل، فإذا وصلَ السّهْمُ بالجَناح؛ قَصَدَ الرّمِيّةَ فلا يلتوِي عندَها، كَذلكَ الكلامُ إذا بُيَنِّ وزِيدَ في بُرْهانِه؛ تَمَكّنَ عندَ السامعِ وأخذَ بمجامعِ قلبِه. والفرقُ بينَ هذا الوجهِ هوَ أنّ هارونَ في الأَوّلِ كانَ ناقلاً لكلامِ موسى ﵉ ومؤدِّيًا على وجهٍ أبْيَنَ وأكْشَف؛ فمعنى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾: يُلخِّصُ كلامي، فإنّ الكلامَ المُلَخّصَ مؤثِّر؛ فكأنّهُ يُصدِّقُهُ فيما ادّعاه، والمعنى على الثاني: يؤيّدُ كلامي بالبرهانِ والبيان؛ فيصدِّقني قومي بسَبَبِه. فالمصدِّقُ على الأوّلِ هارون، وعلى الثاني القوم. والأوّلُ مِنْ إطلاقِ المُسَبِّبِ على السّبَب، والثاني مِنَ الإسنادِ المجازي.
قولُه: (ومعنى الإسناد المجازي)، يعني: أنّ التصديقَ حقيقةٌ في القوم وهُمُ الذينَ يباشرونَهُ بأنفسِهم؛ فإسنادُ الفعلِ إليهم حقيقة، وليس في هارون تصديق؛ ولكنْ لمّا كانَ السببَ في التصديقِ استُعيرَ الإسنادُ له، ونحوُه: بني الأميرُ المدينة؛ والأميرُ إنما أمرَ بالبناء، فأسندَ إلى الحاملِ كما أسندَ إلى المباشر.
قولُه: (والدليل على هذا الوجه قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾)، لأنّ التقدير: أرسلْهُ
Juz 12, halaman 54 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.