﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾
المفردات:
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: المراد به السجود المعهود، وعليه أكثر العلماء، أي: سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيمًا لله، وخر: من باب ضرب.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: جمعوا بينه التسبيح والحمد في سجودهم، فقالوا: سبحان الله وبحمده. والتسبيح: التنزيه.
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع جنوبهم عن مواضع الاضطجاع، كناية عن ترك النوم للعبادة.
﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: خوفًا من عذابه - تعالى - وطمعًا في ثوابه، وأكثر ما يستعمل الطمع فيما يقرب حصوله، وقد يستعمل بمعنى الأَمل، ومن كلامهم: طمع في غير مطمع.
﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: مما تسر به قلوبهم، يقال: قرت العين قُرَّةً - بالضم - وقُرورًا: بردت سرورًا، وقر من باب: تعب.
التفسير
١٥ - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾:
استئناف مسوق لتسلية النبي ﷺ وتقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى، وتعيين من يستحقه في الآية بطريق القصر.
Juz 8, halaman 123 ›
والمعنى: إنَّمَا يؤمن بآياتنا الذين إذا وعظوا بها أقبلوا عليها وتفهموا معانيها، من غير تردد ولا تسويف، وهَبَطُوا على وجوههم فوضُعوا جباههم على الأرض بحمد الله تعظيمًا لذاتِه العلية، وخوفًا من سطوته وعذابه، وشكرًا على ما رزقهم من نعمة الإِسلام، ونزهوه عما لا يليق به من الأمور التي من جملتها العجز عن البعث، وأثنوا عليه لنعمائه - جل وعلا - التي أجلُّها الهداية إليه عن طريق آياته، والتوفيق إلى الاهتداء، فخلطوا بذلك التسبيح بالتحميد، وهم في كل أحوالهم لا يستكبرون عن عبادته وإخلاص الإيمان له، والثناء عليه، لا كما يفعل من يصر مستكبرًا كأن لم يسمع الآيات.
أو: لا يستكبرون كما استكبر أهل مكة عن السجود، ويرى ابن عباس أن المعنى: خروا ركعًا، وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة السجدة. قاله المهدوي، وقال أبو حيان: هذه السجدة من عزائم سجود القرآن.
والتعرض لعنوان الربوبية بطريق الالتفات مع الإضافة إلى ضميرهم في قوله - جل ذكره -: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للإشعار بعلة التسبيح والتحميد، من حيث إنهم يفعلونها بملاحظة ربوبيته لهم.
١٦ - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:
أي: تتنحى وتتجنبُ جنوبهم الفُرُش ومواضع النوم؛ وهذا التعبير كناية عن ترك النوم وعدم الاستسلام له، ومثله قول عبد الله بن رواحة يصف النبي ﷺ:
نبيّ تجافى جنبُه عن فراشه … إذا استُثقِلتْ بالمشركين المضاجع
وفي المراد من تجافي الجنوب عن المضاجع أقوال، والمشهور أن المراد به: القيام لصلاة النفل ليلًا، قاله جمهور المفسرين، وهو قول مجاهد، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والحسن بن أبي الحسن، وأبي العالية وغيرهم؛ لأن أفضل النفل ما كان في الأسحار، وفي الحث على قيام الليل أحاديث كثيرة، منها حديث معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال له: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئُ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل" قال: ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُون﴾.
Juz 8, halaman 124 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.