لفاعله، وجملة: ﴿فَلا تَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء؛ لأنها معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿وَجَعَلْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِبَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (بني) مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قد آتينا...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: قادة يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات، و ﴿أَئِمَّةً:﴾ جمع: إمام، سمي بذلك؛ لأنه يؤتم به في الأفعال، فهنيئا لمن كان إماما في الخير! وويل لمن كان إماما في الشر! قال تعالى في حق فرعون، وأشياعه: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ..﴾. إلخ الآية رقم [٤١] من سورة (القصص).
هذا؛ ويقال: أئمة، وأيمّة، والثاني جائز عربية لا قراءة، وشرحه: أنّ أصله «أأممة» ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها على الهمزة، فصار أئمة بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسورة ياء كراهة اجتماع الهمزتين.
﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ أي: يدعون الناس إلى التوحيد، وعبادة الإله الحميد المجيد بما أنزلنا عليهم من الوحي المتضمن للأمر، والنهي. ثم قيل: المراد: الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام.
وقيل: المراد: الفقهاء، والعلماء من بني إسرائيل الذين جاءوا بعد موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومعنى بأمرنا بتوفيقنا إياهم لما نأمرهم به.
﴿لَمّا صَبَرُوا:﴾ على طاعة الله، وعلى البلاء؛ الذي أصابهم، يقرأ بفتح اللام، وتشديد الميم، ويقرأ بكسر اللام، وتخفيف الميم. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ:﴾ المراد بالآيات: التوراة، أو ما تضمنته من الأحكام، ومعنى ﴿يُوقِنُونَ:﴾ يؤمنون إيمانا صادقا، ويعلمون علما يقينا، لا يخالجه شك.
وأخيرا: أما الصبر: فهو حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق، يكاد لا يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]
Juz 7, halaman 416 ›
الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل
وبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب، والسنة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على البلاء. ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى: الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا بذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره! وما أشد قوته على تحمل النوائب! أو يصبر؛ لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم، لا ينيل صاحبه الدرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله، وقد يعرضه لشديد غضب الله، ونقمته.
ثم اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية (البقرة) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٥٥] وما بعدها من سورة (البقرة)، ومن آنقها قوله تعالى في سورة (ص) في حق أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾.
فائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً،﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال:
﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. فقالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الزمر).
الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَئِمَّةً﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليه صار حالا» وقيل: الجار والمجرور مفعول به ثان تقدم على الأول، وهو غير وجيه. ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به. ﴿يَهْدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿أَئِمَّةً﴾. ﴿بِأَمْرِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى حين متعلق بالفعل: ﴿يَهْدُونَ،﴾ وقال الجمل: وجوابها محذوف دل عليه: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ،﴾ أو هو نفسه الجواب، والتقدير: ولما صبروا؛ جعلنا منهم أئمة، وأرى أن لا جواب لها.
Juz 7, halaman 417 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.