Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
وَحُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ تُؤْمَرُ لِظُهُورِ تَقْدِيرِهِ: أَيْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ. وَبَقِيَ الْفِعْلُ كَأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَهَذَا الْحَذْفُ يُسَمَّى بِالْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ... فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِ
وَصِيغَةُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: افْعَلْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِذْنِ. وَعَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: اذْبَحْنِي، إِلَى افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْإِذْنِ وَتَعْلِيلِهِ، أَيْ أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَذْبَحَنِي لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِذَلِكَ، فَفِيهِ تَصْدِيقُ أَبِيهِ وَامْتِثَالُ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ.
وَجُمْلَةُ سَتَجِدُنِي هِيَ الْجَوَابُ لِأَنَّ الْجُمَلَ الَّتِي قَبْلَهَا تَمْهِيدٌ لِلْجَوَابِ كَمَا عَلِمْتَ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ حَثَّهُ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَعَدَهُ بِالِامْتِثَالِ لَهُ وَبِأَنَّهُ لَا يَجْزَعُ وَلَا يَهْلَعُ بَلْ يَكُونُ صَابِرًا، وَفِي ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ عِبْءِ مَا عَسَى أَنْ يَعْرِضَ لِأَبِيهِ مِنَ الْحُزْنِ لِكَوْنِهِ يُعَامِلُ وَلَدَهُ بِمَا يَكْرَهُ. وَهَذَا وَعْدٌ قَدْ وَفَّى بِهِ حِينَ أَمْكَنَ أَبَاهُ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَهُوَ الْوَعْدُ الَّذِي شَكَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مَرْيَم:
٥٤] ، وَقَدْ قَرَنَ وَعْدَهُ بِ إِنْ شاءَ اللَّهُ اسْتِعَانَةً عَلَى تَحْقِيقِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: مِنَ الصَّابِرِينَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي اتِّصَافِهِ بِالصَّبْرِ مَا لَيْسَ فِي الْوَصْفِ:
بِصَابِرٍ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ سَيَجِدُهُ فِي عِدَادِ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِالصَّبْرِ وَعُرِفُوا بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا وَعَدَ الْخَضِرَ قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً [الْكَهْف: ٦٩] لِأَنَّهُ حُمِلَ عَلَى التَّصَبُّرِ إِجَابَةً لمقترح الْخضر.
[١٠٣- ١٠٧]
[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ١٠٣ إِلَى ١٠٧]
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يَا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)
أَسْلَما اسْتَسْلَمَا. يُقَالُ: سَلَّمَ وَاسْتَسْلَمَ وَأَسْلَمَ بِمَعْنَى: انْقَادَ وَخَضَعَ، وَحُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّيَاقِ، أَيْ أَسْلَمَا لِأَمْرِ اللَّهِ فَاسْتِسْلَامُ إِبْرَاهِيمَ بِالتَّهَيُّؤِ
Juz 23, halaman 152 ›
لِذَبْحِ ابْنِهِ، وَاسْتِسْلَامُ الْغُلَامِ بِطَاعَةِ أَبِيهِ فِيمَا بَلَغَهُ عَنْ رَبِّهِ.
وتَلَّهُ: صَرَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ التَّلِّ وَهُوَ الصُّبْرَةُ مِنَ التُّرَابِ كَالْكُدْيَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ
فِي حَدِيثِ الشُّرْبِ «فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ»
أَي الْقدح، فَذَلِك عَلَى تَشْبِيهِ شِدَّةِ التَّمْكِينِ كَأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي يَدِهِ.
وَاللَّامُ فِي لِلْجَبِينِ بِمَعْنَى (عَلَى) كَقَوْلِهِ: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً [الْإِسْرَاء: ١٠٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: دَعانا لِجَنْبِهِ [يُونُس: ١٢] ، وَمَعْنَاهَا أَنَّ مَدْخُولَهَا هُوَ أَسْفَلُ جُزْءٍ مِنْ صَاحِبِهِ.
وَالْجَبِينُ: أَحَدُ جَانِبَيِ الْجَبْهَةِ، وَلِلْجَبْهَةِ جَبِينَانِ، وَلَيْسَ الْجَبِينُ هُوَ الْجَبْهَةَ وَلِهَذَا خَطَّأُوا الْمُتَنَبِّي فِي قَوْلِهِ:
وَخَلِّ زِيًّا لِمَنْ يُحَقِّقُهُ ... مَا كَلُّ دَامٍ جَبِينُهُ عَابِدْ
وَتَبِعَ الْمُتَنَبِّي إِطْلَاقَ الْعَامَّةِ وَهُوَ خَطَأٌ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي «أدب الْكتاب» وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطْلَيُوسِيُّ فِي «الِاقْتِضَابِ» وَلَكِنَّ الْحَرِيرِيَّ لَمْ يَعُدَّهُ فِي «أَوْهَامِ الْخَوَاصِّ» فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ غَفَلَ عَنْهُ، وَذَكَرَ مُرْتَضَى فِي «تَاجِ الْعَرُوسِ» عَنْ شَيْخِهِ تَصْحِيحَ إِطْلَاقِ الْجَبِينِ عَلَى الْجَبْهَةِ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ الْمُجَاوَرَةِ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:
يَقِينِي بِالْجَبِينِ وَمَنْكِبَيْهِ ... وَأَدْفَعُهُ بِمُطَّرِدِ الْكُعُوبِ
وَزَعَمَ أَنَّ شَارِحَ دِيوَانِ زُهَيْرٍ ذَكَرَ ذَلِكَ. وَهَذَا لَا يَصح اسْتِعْمَالَهُ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ لِأَنَّ الْمَجَازَ إِذَا لَمْ يَكْثُرْ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَدَّ فِي مَعَانِي الْكَلِمَةِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ زُهَيْرًا أَرَادَ مِنَ الْجَبِينِ الْجَبْهَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْأَسَاسِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَلْقَاهُ عَلَى الْأَرْضِ عَلَى جَانِبٍ بِحَيْثُ يُبَاشِرُ جَبِينُهُ الْأَرْضَ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّصَالِ. وَمُنَادَاةُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ بِإِرْسَالِ الْمَلَكِ، أُسْنِدَتِ الْمُنَادَاةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْآمِرُ بِهَا.
وَتَصْدِيقُ الرُّؤْيَا: تَحْقِيقُهَا فِي الْخَارِجِ بِأَنْ يَعْمَلَ صُورَةَ الْعَمَلِ الَّذِي رَآهُ يُقَالُ: رُؤْيَا صَادِقَةٌ، إِذَا حَصَلَ بَعْدَهَا فِي الْوَاقِعِ مَا يُمَاثِلُ صُورَةَ مَا رَآهُ الرَّائِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
Juz 23, halaman 153 ›
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [الْفَتْح: ٢٧] .
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» .
وَبِضِدِّ ذَلِكَ يُقَالُ: كَذَبَتِ الرُّؤْيَا، إِذَا حَصَلَ خِلَافُ مَا رَأَى.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ»
، فَمَعْنَى قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا قَدْ فَعَلْتَ مِثْلَ صُورَةِ مَا رَأَيْتَ فِي النَّوْمِ أَنَّكَ تَفْعَلُهُ. وَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِمُبَادَرَتِهِ لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ وَلَا سَأَلَ مِنَ اللَّهِ نَسْخَ ذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ صَدَّقَ مَا رَآهُ إِلَى حَدِّ إِمْرَارِ السِّكِّينِ عَلَى رَقَبَةِ ابْنِهِ، فَلَمَّا نَادَاهُ جِبْرِيلُ بِأَنْ لَا يَذْبَحَهُ كَانَ ذَلِكَ الْخِطَابُ نَسْخًا لِمَا فِي الرُّؤْيَا مِنْ إِيقَاعِ الذَّبْحِ، وَذَلِكَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ
اللَّهِ لَا مِنْ تَقْصِيرِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِبْرَاهِيمُ صَدَّقَ الرُّؤْيَا إِلَى أَنْ نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ إِكْمَالِ مِثَالِهَا، فَأُطْلِقَ عَلَى تَصْدِيقِهِ أَكْثَرَهَا أَنَّهُ صَدَّقَهَا، وَجُعِلَ ذَبْحُ الْكَبْشِ تَأْوِيلًا لِذَبْحِ الْوَلَدِ الْوَاقِعِ فِي الرُّؤْيَا.
وَجُمْلَةُ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ وَنادَيْناهُ لِأَنَّ نِدَاءَ اللَّهِ إِيَّاهُ تَرْفِيعٌ لِشَأْنِهِ فَكَانَ ذَلِكَ النِّدَاءُ جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمَلِ خِطَابِ إِبْرَاهِيمَ، وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ:
كَذلِكَ إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَأْخُوذِ مَنْ فِعْلِ صَدَّقْتَ مِنَ الْمَصْدَرِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ مِثْلَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَأْخُوذِ مَنِ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: ٨] ، أَيْ إِنَّا نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ كَذَلِكَ التَّصْدِيقُ، أَيْ مِثْلَ عَظَمَةِ ذَلِكَ التَّصْدِيقِ نَجْزِي جَزَاءً عَظِيمًا لِلْمُحْسِنِينَ، أَيِ الْكَامِلِينَ فِي الْإِحْسَانِ، أَيْ وَأَنْتَ مِنْهُمْ.
وَلِمَا يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ الْجَزَاءِ مِنْ مَعْنَى الْمُكَافَأَةِ وَمُمَاثَلَةِ الْمَجْزِيِّ عَلَيْهِ عَظُمَ شَأْنُ الْجَزَاءِ بِتَشْبِيهِهِ بِمُشَبَّهٍ مُشَارٍ إِلَيْهِ بِإِشَارَةِ الْبَعِيدِ الْمُفِيدِ بُعْدًا اعْتِبَارِيًّا وَهُوَ الرِّفْعَةُ وَعِظَمُ الْقَدْرِ فِي الشَّرَفِ، فَالتَّقْدِيرُ: إِنَّا نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ جَزَاءً كَذَلِكَ الْإِحْسَانُ الَّذِي أَحْسَنْتَ بِهِ بِتَصْدِيقِكَ الرُّؤْيَا، مُكَافَأَةً عَلَى مِقْدَارِ الْإِحْسَانِ فَإِنَّهُ بَذَلَ أَعَزَّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ فَبَذَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ أَحْسَنِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي بِيَدِهِ تَعَالَى، فَالْمُشَبَّهُ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ مَعْقُولَانِ إِذْ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمُشَاهَدٍ وَلَكِنَّهُمَا مُتَخَيِّلَانِ بِمَا يَتَّسِعُ لَهُ التَّخَيُّلُ الْمَعْهُودُ عِنْدَ الْمُحْسِنِينَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ اعْتِقَادُهُمْ فِي وَعْدِ الصَّادِقِ مِنْ جَزَاءِ
Juz 23, halaman 154 ›
Pembahasan ayat ini masih 5 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.