Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
مَرْأَى النَّاسِ، أَيْ لَهُ حُسْنُ رُجُوعٍ عِنْدِنَا وَهُوَ كَرَامَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْجَزَاءِ، أَي الْجنَّة يؤوب إِلَيْهَا.
[٢٦]
[سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٢٦]
يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)
مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: ٢٥] أَيْ صَفَحْنَا عَنْهُ وَذَكَّرْنَاهُ بِنِعْمَةِ الْمُلْكِ وَوَعَظْنَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بِهَذَا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وَإِرْشَادًا لِلْوَاجِبِ. وَافْتِتَاحُ الْخِطَابِ بِالنِّدَاءِ لِاسْتِرْعَاءِ وَعْيِهِ وَاهْتِمَامِهِ بِمَا سَيُقَالُ لَهُ.
وَالْخَلِيفَةُ: الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ فِي عَمَلٍ، أَيْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ الْمَخْلُوفِ عَنْهُ قِيلَ: هُوَ خَلِيفَةُ فُلَانٍ، وَإِن كَانَ بعد مَا مَضَى الْمَخْلُوفُ قِيلَ: هُوَ خَلِيفَةٌ مِنْ فُلَانٍ. وَالْمُرَادُ هُنَا: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.
فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي إِنْفَاذِ شَرَائِعِهِ لِلْأُمَّةِ الْمَجْعُولِ لَهَا خَلِيفَةً مِمَّا يُوحِي بِهِ إِلَيْهِ
وَمِمَّا سَبَقَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أُوحِيَ إِلَيْهِ الْعَمَلُ بِهَا. وَخَلِيفَةٌ عَنْ مُوسَى ﵇ وَعَنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأَوَّلِينَ الْمَدْعُوِّينَ بِالْقُضَاةِ، أَوْ خَلِيفَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ فِي الْمُلْكِ وَهُوَ شَاوَلُ.
والْأَرْضِ: أَرْضُ مَمْلَكَتِهِ الْمَعْهُودَةِ، أَيْ جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَرْضَ مُرَادًا بِهِ جَمِيعُ الْأَرْضِ فَإِنَّ دَاوُدَ كَانَ فِي زَمَنِهِ أَعْظَمَ مُلُوكِ الْأَرْضِ فَهُوَ مُتَصَرِّفٌ فِي مَمْلَكَتِهِ وَيَخَافُ بَأْسَهُ مُلُوكُ الْأَرْضِ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ إِذْ لَا يَنْفَلِتُ شَيْءٌ مِنْ قَبْضَتِهِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْخِلَافَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ [يُونُس: ١٤] وَقَوْلِهِ: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [النَّمْل: ٦٢] .
وَهَذَا الْمَعْنَى خِلَافُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠] فَإِنَّ الْأَرْضَ هُنَالِكَ هِيَ هَذِهِ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا يُقَالُ خَلِيفَةُ اللَّهِ إِلَّا لرَسُوله ﷺ وَأَمَّا الْخُلَفَاءُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ،
Juz 23, halaman 242 ›
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ حَرَّرُوا هَذَا الْمَعْنَى فَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ ﵁: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَبِهَذَا كَانَ يُدْعَى بِذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فَطَالَ وَرَأَوْا أَنَّهُ سَيَطُولُ أَكْثَرَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذَا وَلِيَ خَلِيفَةٌ بَعْدَ عُمَرَ فَدَعَوْا عُمَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَصُرَ هَذَا عَلَى الْخُلَفَاءِ، وَمَا يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ مِنْ دُعَاءِ أَحَدِ الْخُلَفَاءِ خَلِيفَةَ اللَّهِ فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ كَمَا قَالَ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ:
خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي بَرِيَّتِهِ ... جَفَّتْ بِذَاكَ الْأَقْلَامُ وَالْكُتُبُ
وَفُرِّعَ عَلَى جَعْلِهِ خَلِيفَةً أَمْرُهُ بِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبُهُ وَأَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَرْجِعُ لِلْمَظْلُومِينَ وَالَّذِي تُرْفَعُ إِلَيْهِ مَظَالِمُ الظَّلَمَةِ مِنَ الْوُلَاةِ فَإِذَا كَانَ عَادِلًا خَشِيَهُ الْوُلَاةُ وَالْأُمَرَاءُ لِأَنَّهُ أَلِفَ الْعَدْلَ وَكَرِهَ الظُّلْمَ فَلَا يُقِرُّ مَا يَجْرِي مِنْهُ فِي رَعِيَّتِهِ كُلَّمَا بَلَغَهُ فَيَكُونُ النَّاسُ فِي حَذَرٍ مِنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُمْ مَا عَسَى أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْخَلِيفَةِ فَيَقْتَصَّ مِنَ الظَّالِمِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ يَظْلِمُ فِي حُكْمِهِ فَإِنَّهُ يَأْلَفُ الظُّلْمَ فَلَا يُغْضِبُهُ إِذَا رُفِعَتْ إِلَيْهِ مَظْلَمَةُ شَخْصٍ وَلَا يَحْرِصُ عَلَى إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ.
وَفِي «الْكَشَّافِ» : أَنَّ بَعْضَ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ لِلزُّهْرِيِّ: هَلْ سَمِعْتَ مَا بَلَغَنَا؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ وَلَا تُكْتَبُ لَهُ مَعْصِيَةٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْخُلَفَاءُ أَفْضَلُ أَمِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. وَالْمُرَادُ بِ النَّاسِ نَاسُ مَمْلَكَتِهِ فَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أَوْ هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ.
وَالْحَقُّ: هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ الشَّرْعِيُّ مِنْ مُعَامَلَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَتَصَرُّفَاتِهِمْ فِي خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ وَيَتَعَيَّنُ الْحَقُّ بِتَعْيِينِ الشَّرِيعَةِ. وَالْبَاءُ فِي بِالْحَقِّ بَاءُ الْمَجَازِيَّةِ، جُعِلَ الْحَقُّ كَالْآلَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا الْعَامِلُ فِي قَوْلِكَ: قَطَعَهُ بِالسِّكِّينِ، وَضَرَبَهُ بِالْعَصَا.
وَقَوْلُهُ: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى مَعْطُوفٌ عَلَى التَّفْرِيعِ، وَلَعَلَّهُ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ. وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ لِيَكُونَ تَوْطِئَةً لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى سَدًّا لِذَرِيعَةِ
Juz 23, halaman 243 ›
الْوُقُوعِ فِي خَطَأِ الْحَقِّ فَإِنَّ دَاوُدَ مِمَّنْ حَكَمَ بِالْحَقِّ فَأَمَرَهُ بِهِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْهَوى تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الْمُفِيدُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَالنَّهْيُ يَعُمُّ كُلَّ مَا هُوَ هَوًى، سَوَاءٌ كَانَ هَوَى الْمُخَاطَبِ أَوْ هَوَى غَيْرِهِ مِثْلَ هَوَى زَوْجِهِ وَوَلَدِهِ وَسَيِّدِهِ، وَصَدِيقِهِ، أَوْ هَوَى الْجُمْهُورِ: قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الْأَعْرَاف: ١٣٨] .
وَمَعْنَى الْهَوَى: الْمَحَبَّةُ، وَأُطْلِقَ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحْبُوبِ مُبَالَغَةً، أَيْ وَلَوْ كَانَ هَوًى شَدِيدًا تَعْلَقُ النَّفْسُ بِهِ. وَالْهَوَى: كِنَايَةٌ عَنِ الْبَاطِلِ وَالْجَوْرِ وَالظُّلْمِ لِمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ مِنَ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَبَيْنَ هَوَى النُّفُوسِ، فَإِنَّ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ ثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ فَلَا تَهْوَاهُ غَالِبًا، وَمَنْ صَارَتْ لَهُ مَحَبَّةُ الْحَقِّ سَجِيَّةً فَقَدْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ وَأُيِّدَ بِالْحِفْظِ أَوِ الْعِصْمَةِ.
وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى تَحْذِيرٌ لَهُ وَإِيقَاظٌ لِيُحَذِّرَ مِنْ جَرَّاءِ الْهَوَى وَيَتَّهِمَ هَوَى نَفْسِهِ وَيَتَعَقَّبَهُ فَلَا ينقاد إِلَيْهِ فِيمَا يَدعُوهُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ وَالتَّثَبُّتِ، وَقَدْ قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ﵁: «اتَّهِمُوا الرَّأْيَ» ، ذَلِكَ أَنَّ هَوَى النَّفْسِ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ السَّهْلَةِ عَلَيْهَا الرَّائِقَةِ عِنْدَهَا وَمُعْظَمُ الْكَمَالَاتِ صَعْبَةٌ عَلَى النَّفْسِ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَالِارْتِقَاءِ بِهَا عَنْ حَضِيضِ الْحَيَوَانِيَّةِ إِلَى أَوْجِ الْمَلَكِيَّةِ، فَفِي جَمِيعِهَا أَوْ مُعْظَمِهَا صَرْفٌ لِلنَّفْسِ عَمَّا لَاصَقَهَا مِنَ الرَّغَائِبِ الْجُسْمَانِيَّةِ الرَّاجِعِ أَكْثَرُهَا إِلَى طَبْعِ الْحَيَوَانِيَّةِ لِأَنَّهَا إِمَّا مَدْعُوَّةٌ لِدَاعِي الشَّهْوَةِ أَوْ دَاعِي الْغَضَبِ فَالِاسْتِرْسَالُ فِي اتِّبَاعِهَا وُقُوعٌ فِي الرَّذَائِلِ فِي الْغَالِبِ، وَلِهَذَا جُعِلَ هُنَا الضَّلَالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مُسَبَّبًا عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَهُوَ تَسَبُّبٌ أَغْلَبِيٌّ عُرْفِيٌّ، فَشَبَّهَ الْهَوَى بِسَائِرٍ فِي طَرِيقٍ مُهْلِكَةٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكَنِيَّةِ وَرَمَزَ إِلَيْهِ بِلَازِمِ ذَلِكَ وَهُوَ الْإِضْلَالُ عَنْ طَرِيقِ الرَّشَادِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِسَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَّبِعُ سَائِرًا غَيْرَ عَارِفٍ بِطَرِيقِ الْمَنَازِلِ النَّافِعَةِ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَجِدَ نَفْسَهُ وَإِيَّاهُ فِي مَهْلَكَةٍ أَوْ مَقْطَعَةِ طَرِيقٍ.
وَاتِّبَاعُ الْهَوَى قَدْ يَكُونُ اخْتِيَارًا، وَقَدْ يَكُونُ كُرْهًا. وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِهِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ فَأَمَّا الِاتِّبَاعُ الِاخْتِيَارِيُّ فَالْحَذَرُ مِنْهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الِاتِّبَاعُ الِاضْطِرَارِيُّ
فَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ بِالِانْسِحَابِ عَمَّا جَرَّهُ إِلَى الْإِكْرَاهِ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ
Juz 23, halaman 244 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.