Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [٤٠، ٤١] .
وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: سُلَيْمانَ وَالتَّقْدِيرُ:
نِعْمَ الْعَبْدُ سُلَيْمَانُ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ أَوَّابٌ تَعْلِيلٌ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِ نِعْمَ الْعَبْدُ. وَالْأَوَّابُ: مُبَالغَة فِي الآئب أَيْ كَثِيرِ الْأَوْبِ، أَيِ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ بِقَرِينَةِ أَنَّهُ مَادِحُهُ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَوْبِ إِلَى اللَّهِ:
الْأَوْبُ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، أَيْ إِذَا حَصَلَ لَهُ مَا يُبْعِدُهُ عَنْ ذَلِكَ تَذَكَّرَ فَآبَ، أَيْ فَتَابَ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ آنِفًا فِي ذكر دَاوُد.
[٣١- ٣٣]
[سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٣١ إِلَى ٣٣]
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)
يَتَعَلَّقُ إِذْ عُرِضَ ب أَوَّابٌ [ص: ٣٠] . وَتَعْلِيقُ هَذَا الظَّرْفِ بِ أَوَّابٌ تَعْلِيقُ تَعْلِيلٍ لِأَنَّ الظُّرُوفَ يُرَادُ مِنْهَا التَّعْلِيلُ كَثِيرًا لِظُهُورِ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَوَّابٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَطْ لِأَنَّ صِيغَةَ أَوَّابٍ تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ. وَالْأَصْلُ مِنْهَا الْكَثْرَةُ فَتَعَيَّنَ أَنَّ ذِكْرَ قِصَّةٍ مِنْ حَوَادِثِ أَوْبَتِهِ كَانَ لِأَنَّهَا يَنْجَلِي فِيهَا عِظَمُ أَوْبَتِهِ. وَالْعَرْضُ: الْإِمْرَارُ وَالْإِحْضَارُ أَمَامَ الرَّائِي، أَيْ عَرَضَ سُوَاسَ خَيْلِهِ إِيَّاهَا عَلَيْهِ.
وَالْعَشِيُّ: مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٥٢] . وَذَلِكَ وَقْتُ افْتِقَادِ الْخَيْلِ وَالْمَاشِيَةِ بَعْدَ رَوَاحِهَا مِنْ مَرَاعِيهَا وَمَرَاتِعِهَا. وَذِكْرُ الْعَشِيِّ هُنَا لَيْسَ لِمُجَرَّدِ التَّوْقِيتِ بَلْ لِيُبْنَى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، فَلَيْسَ ذِكْرُ الْعَشِيِّ فِي وَقْعِ هَذِهِ الْآيَةِ كَوَقْعِهِ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
مُلُوكٌ مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ ... يُسَاقُونَ الْعَشِيَّةَ يُقْتَلُونَا
Juz 23, halaman 254 ›
والصَّافِناتُ: وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ لِدَلَالَةِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّافِنَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْخَيْلِ وَالْأَفْرَاسِ وَهُوَ الَّذِي يَقِفُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ وَطَرْفِ حَافِرِ الْقَائِمَةِ الرَّابِعَةِ لَا يُمَكِّنُ الْقَائِمَةَ الرَّابِعَةَ مِنَ الْأَرْضِ، وَتِلْكَ مِنْ عَلَامَاتِ خِفَّتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَرَمِ أَصْلِ الْفَرَسِ وَحُسْنِ خِلَالَهِ، يُقَالُ: صَفَنَ الْفُرَسُ صُفُونًا، وَأَنْشَدَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالزَّجَّاجُ فِي صفة فرس:
أَلِفَ الصُّفُونَ فَلَا يَزَالُ كَأَنَّهُ ... مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلَاثِ كَسِيرًا (١)
الْجِيادُ: جَمْعُ جَوَادٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْفَرَسُ ذُو الْجَوْدَةِ، أَيِ النَّفَاسَةِ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ مُولَعًا بِالْإِكْثَارِ مِنَ الْخَيْلِ وَالْفَرَسَانِ، فَكَانَتْ خَيْلُهُ تُعَدُّ بِالْآلَافِ.
وَأَصْلُ تَرْكِيبِ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ: أَحْبَبْتُ الْخَيْرَ حُبًّا، فَحَوَّلَ التَّرْكِيبَ إِلَى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ فَصَارَ حُبَّ الْخَيْرِ تَمْيِيزًا لِإِسْنَادِ نِسْبَةِ الْمَحَبَّةِ إِلَى نَفْسِهِ لِغَرَضِ
الْإِجْمَالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [الْقَمَر: ١٢] وَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
أَكْرِمْ بِهَا خَلَّةً وَقَوْلِهِمْ: لِلَّهِ دَرُّهُ فَارِسًا.
وَضَمَّنَ أَحْبَبْتُ مَعْنَى عَوَّضْتُ، فَعُدِّيَ بِ عَنْ فِي قَوْلِهِ: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي فَصَارَ الْمَعْنَى: أَحْبَبْتُ الْخَيْرَ حُبًّا فَجَاوَزْتُ ذِكْرَ رَبِّي. وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ الرَّبِّ الصَّلَاةُ، فَلَعَلَّهَا صَلَاةٌ كَانَ رَتَّبَهَا لِنَفْسِهِ لِأَنَّ وَقْتَ الْعَشِيِّ لَيْسَتْ فِيهِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى إِلَّا الْمَغْرِبُ.
والْخَيْرِ: الْمَالُ النَّفِيسُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [الْبَقَرَة: ١٨٠] .
وَالْخَيْلُ مِنَ الْمَالِ النَّفِيسِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْخَيْرُ بِالرَّاءِ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَيل. وَالْعرب تعاقب بَيْنَ اللَّامِ وَالرَّاءِ كَمَا يَقُولُونَ: انْهَمَلَتِ الْعَيْنُ وَانْهَمَرَتْ. وَخَتَلَ وَخَتَرَ إِذَا خَدَعَ.
Juz 23, halaman 255 ›
وَقُلْتُ: إِنَّ الْعَرَبَ مِنْ عَادَتِهِمُ التَّفَاؤُلُ وَلَهُمْ بِالْخَيْلِ عِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى وَصَفُوا شِيَاتِهَا وَزَعَمُوا دَلَالَتَهَا عَلَى بَخْتٍ أَوْ نَحْسٍ فَلَعَلَّهُمْ سَمَّوْهَا الْخَيْرَ تَفَاؤُلًا لِتَتَمَحَّضَ لِلسَّعْدِ وَالْبَخْتِ.
وَضَمِيرُ تَوارَتْ لِلشَّمْسِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْعَشِيِّ وَحَرْفِ الْغَايَةِ وَلَفْظِ الْحِجَابِ، عَلَى أَنَّ الْإِضْمَارَ لِلشَّمْسِ فِي ذِكْرِ الْأَوْقَاتِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ. كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ ... وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا
أَيْ أَلْقَتِ الشَّمْسُ يَدَهَا فِي الظُّلْمَةِ، أَيْ أَلْقَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ الذَّاتِ بِبَعْضِ أَعْضَائِهَا.
وَالتَّوَارِي: الِاخْتِفَاءُ، وَالْحِجَابُ: السَّتْرُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي تَحْتَجِبُ وَرَاءَهُ الْمَرْأَةُ وَغَيْرُهَا وَمِنْهُ قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ.
وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِتَوَارِي الْمَرْأَةِ وَرَاءَ الْحِجَابِ وَكُلٌّ مِنْ أَجْزَاءِ هَذِهِ التَّمْثِيلِيَّةِ مُسْتَعَارٌ فَلِلشَّمْسِ اسْتُعِيرَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكْنِيَّةِ، وَلِاخْتِفَائِهَا عَنِ الْأَنْظَارِ اسْتُعِيرَ التَّوَارِي، وَلِأُفُقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ اسْتُعِيرَ الْحِجَابُ.
وَالْمَعْنَى: عُرِضَتْ عَلَيْهِ خَيْلُهُ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَاشْتَغَلَ بِأَحْوَالِهَا حُبًّا فِيهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَفَاتَتْهُ صَلَاةٌ كَانَ يُصليهَا فِي السَّمَاء قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَقَالَ عَقِبَ عَرْضِ الْخَيْلِ وَقَدِ
انْصَرَفَتْ: إِنِّي أَحْبَبْتُ الْخَيْلَ فَغَفَلْتُ عَنْ صَلَاتِي لِلَّهِ.
وَكَلَامُهُ هَذَا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحَسُّرِ كَقَوْلِ أُمِّ مَرْيَمَ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى [آل عمرَان: ٣٦] .
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: رُدُّوها عَلَيَّ لِسَوَاسِ خَيْلِهِ. وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ عَائِدٌ إِلَى الْخَيْلِ بِالْقَرِينَةِ، أَيْ أَرْجِعُوا الْخَيْلَ إِلَيَّ، وَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ إِلَى الشَّمْسِ وَالْخِطَابُ لِلْمَلَائِكَةِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَلَوْلَا كَثْرَةُ ذِكْرِهِ فِي كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ لَكَانَ الْأَوْلَى بِنَا عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَهُ.
وَأَحْسَنُ مِنْهُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي مَعَادِ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّعْجِيزِ، أَيْ هَلْ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَرُدُّوا الشَّمْسَ بَعْدَ غُرُوبِهَا، كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ:
Juz 23, halaman 256 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.