تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
[﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾].
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية؛ روي أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من السماء جملةً كما أتى موسى بالتوراة.
وقيل: كتابٌ إلى فلان، وكتابٌ إلى فلان بأنك رسول الله.
وإنما طلبوا ذلك على وجه التعنت، فذكر الله سؤالهم من موسى، وسوء أدبهم معه؛ تسليةً للنبي ﷺ بالتأسّي بغيره.
Juz 2, hlm. 127 ›
ثم ذكر أفعالهم القبيحة؛ ليبين أنَّ كفرهم إنما هو عنادٌ، وقد تقدَّم في «البقرة» (¬١) ذكرُ طلبهم للرؤية، واتخاذهم العجلَ، ورفع الطور فوقهم، واعتدائهم في السَّبت وغير ذلك مما أشير إليه هنا.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ﴾ «ما» زائدةٌ؛ للتأكيد، والباء تتعلَّق:
بمحذوف؛ تقديره: بسبب نقضهم فعَلْنا بهم ما فعلنا.
أو تتعلَّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾، ويكون ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ -على هذا- بدلًا من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾.
﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ هو أنْ رَمَوْا مريم بالزِّنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عدَّ اللهُ في جملة قبائحهم قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾؛ لأنهم قالوها افتخارًا وجرأةً مع أنهم كذَّبوا في ذلك، ولزمهم الذنبُ وهم لم يقتلوه؛ لأنهم صلبوا الشخص الذي أُلْقِي شَبَهُه عليه، وهم يعتقدون أنه عيسى.
وروي أن عيسى قال للحواريين: أيُّكم يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقتَل ويكون رفيقي في الجنة؟ فقال أحدهم: أنا، فأُلْقِي عليه شَبَهُ عيسى فقُتِل على أنه عيسى.
وقيل: بل دلَّ على عيسى يهوديٌّ، فألقى اللهُ شَبَه عيسى على اليهودي،
Juz 2, hlm. 128 ›
فَقُتِلَ اليهوديُّ، ورُفِعَ عيسى إلى السماء حيًّا، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدَّجَّال.
﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ إن قيل: كيف قالوا فيه ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وهم يكفرون به ويسبُّونه؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم قالوا ذلك على وجه التهكُّم والاستهزاء.
والثاني: أنهم قالوه على حسَب اعتقاد المسلمين فيه؛ كأنهم قالوا: رسول الله عندكم أو بزعمكم.
الثالث: أنه من قول الله لا من قولهم؛ فيوقف قبله، وفائدته: تعظيم ذنبهم، وتقبيح قولهم: إنا قتلناه.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ردٌّ عليهم وتكذيبٌ لهم وللنصارى أيضًا في قولهم: إنه صُلِب؛ حتى عبدوا الصَّليب من أجل ذلك، والعجب كلُّ العجب من تناقضهم في قولهم: إنه إلهٌ أو ابن إله، ثم يقولون: إنه صُلِب!.
﴿وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: ما ذكرناه من إلقاء شَبَهه على الحواريِّ، أو على اليهودي.
والآخر: أنَّ معناه: شُبِّه لهم الأمرُ؛ أي: خَلط لهم القومُ الذين حاولوا قتله؛ فإنهم قتلوا رجلًا آخر وصلبوه ومنعوا الناس أن يقربوا منه، حتى تغيَّر بحيث لا يُعرف، وقالوا للناس: هذا عيسى، ولم يكن عيسى، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمِّدين للكذب.
Juz 2, hlm. 129 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.