أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها.
فإن قلت: لو كان مريدا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادًا؟
قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة، لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدًا لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.
[﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ ومَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (٥٧) إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ٥٧ - ٥٨]
يريد: أن شأني مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإن ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإما مجهز في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لو كان مريدًا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادًا)، الانتصاف: من عادته إذا رأى ظاهرًا يوافق معتقده، أورد مذهب أهل السنة سؤالًا، وأورد معتقده جوابًا، والجواب الذي ذكره لا يصح، فإن السؤال مقدماته عقلية قطعية، والظاهر إذا خالف القطع وجب رده إلى الأدلة القطعية، وظاهري الآية دليل لأهل السنة، لأنها سيقت لبيان عظمة الله، وأن شأنه مع عبيده لا يقاس بغيره، فإن عبيد الخلق مطلوبون بالخدمة تكسبهم للسادة، وبواسطة كسب العبيد تدر أرزاق سادتهم، والله تعالى لا يطلب من عباده رزقًا ولا طعامًا، بل يطلب منهم العبادة لا غير، وزائد على ذلك أنه هو الذي يرزقهم، فحاصله: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي.
وقلت: أما مقتضى النظم فإن الكلام وارد على تحريض رسول الله ﷺ على ما بعث به من التذكير والتفادي عن التواني فيه، لأنه لما نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم
Juz 15, halaman 37 ›
تجارة ليفيء ربحًا، أو مرتب في فلاحة ليغتل أرضًا، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته، أو محتطب أو محتش، أو طابخ أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأما مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد ان أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غني عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي، ﴿المَتِينُ﴾ الشديد القوة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فأنزل الله: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا تدع التذكير والموعظة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وحجة على المعاندين، فإنك ما بعثت إلا للدعوة: وما خلق الجن والإنس إلا لأن يؤمروا بالعبادة لأنهم مكلفون امتحانًا وابتلًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أما الإرادة فكما تعلقت بالعبادة تعلقت بما يخالفها، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾.
ويؤيد هذا التأويل ما روينا عن محيي السنة عن علي ﵁: أنه قال: ﴿إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾: إلا لآمرهم أن يعبدوني.
قوله: (من الأعمال والمهن)، الجوهري: المهنة _بالفتح_: الخدمة، والماهن: الخادم.
قوله: (وعن مرافقكم)، الجوهري: المرفق من الأمر: ما انتفعت به.
قوله: (من عندي) متعلق بمتفضل، أي: أنا متفضل عليكم من عندي، ذلك من غير سابقة منكم، كما هو دأب السادات.
قوله: (﴿المَتِينُ﴾ الشديد القوة)، الراغب: المتنان: مكتنفًا الصلب، وبه شبه المتن من الأرض، ومتنته: ضربت متنه، فصار متينًا، ومنه قيل: حبل متين، فإن الله تعالى: ذو القوة المتين.
Juz 15, halaman 38 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.