الأنصار، فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ، فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي ﷺ فسارّه بخبرهم، قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي ﷺ، فلما كان من الغد؛ صبحهم رسول الله ﷺ بالكتائب، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، فسألوا رسول الله ﷺ الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به، فقبلوا ذلك، فصالحهم على الجلاء. وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم، إلا الحلقة، (وهي السلاح) وعلى أن يخلوا لهم ديارهم، وعقارهم وسائر أموالهم.
وقال ابن عباس-﵄: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي ﷺ ما بقي. وقيل: أعطى كل ثلاثة نفر بعيرا، وسقاء، ففعلوا، وخرجوا من ديارهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، فذلك قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ يعني بني النّضير، ﴿مِنْ دِيارِهِمْ﴾ يعني: التي كانت لهم في المدينة. قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي ﷺ يوم أحد، وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب، وبينهما سنتان. انظر فتح موطن بني قريظة في سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك ويثلج صدرك.
﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ:﴾ الحشر الجمع. قال تعالى في سورة (النمل) رقم [١٧] ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ..﴾. إلخ.
و (يحشرون) بالياء، والتاء في كثير من الايات بمعنى: يساقون، ويجمعون، والمراد بأول الحشر هنا: طردهم وإجلاؤهم من المدينة المنورة إلى بلاد الشام، وغيرها، والمراد بالحشر الثاني: طردهم من خيبر، وجميع الجزيرة العربية في عهد عمر-﵁-إلى أذرعات، وأريحا، وغيرها. وقيل: ما تقدم هذا أول الحشر من المدينة، ونحوها، والحشر الثاني: نار تحشرهم يوم القيامة من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا.
والمعتمد الأول.
﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا:﴾ لشدة بأسهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم، ووفرة عدتهم.
خرجوا؛ وهم مهانون ذليلون. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ أي: وظن بنو النضير: أن حصونهم الحصينة تمنعهم من بأس الله، وتدفع عنهم عذابه، وانتقامه. هذا؛ وحصونهم هي:
الوطيح، والنّطاة، والسلالم، والكتيبة. وفي قوله: ﴿ما ظَنَنْتُمْ..﴾. إلخ طباق السلب. ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ﴾ أي: أمر الله، وعذابه، وعقابه. ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا:﴾ من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، وفي كثير من الايات قوله تعالى: ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أي: الخوف الشديد بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وقذفه: إثباته في قلوبهم.
وفي البخاري ومسلم قول النبي ﷺ: «نصرت بالرعب من مسيرة شهر». فكيف لا ينصره بالرعب مسيرة ميل من المدينة المنورة إلى محلة بني النضير؟ وهذه خصّيصى لمحمد ﷺ دون غيره.
Juz 9, halaman 587 ›
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الزهري: وذلك: أن النبي ﷺ لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الإبل، كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم، فيهدمون، وينزعون منها ما استحسنوه منها، فيحملونه على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها. وقيل: كانوا يقلعون العمد، وينقضون السقوف، وينقبون الجدران، لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم، وبغضا. وقيل: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، ويخربها اليهود من داخلها، وقال ابن عباس-﵄: كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها، لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها، فيخرجون إلى التي بعدها، فيتحصنون فيها، ويكسرون ما يليهم، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله ﷺ. انتهى. خازن. فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذي هو مال النظم؟ أجيب بأنهم لما عرّضوا المؤمنين لذلك، وكانوا السبب فيه صاروا كأنهم أمروهم به، وكلفوهم إياه. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. وفي القرطبي: وكان خروج النبي ﷺ لبني النضير في ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة، ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: سفيان بن عمير، وسعيد بن وهب، أسلما على أموالهما، فأحرزاها.
﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي: اتعظوا يا أصحاب العقول، والألباب، فيكون ﴿الْأَبْصارِ﴾ جمع: بصيرة، وهو غير معروف في اللغة؛ لأن جمع البصيرة: بصائر، فالأولى اعتباره جمع:
بصر بمعنى العلم، والمعنى: تأملوا فيما نزل بهؤلاء، أو السبب الذي استحقوا به ذلك العقاب، فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم، فتعاقبوا بمثل عقوبتهم، وهو دليل على جواز القياس. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. وقيل: حالية. ولا وجه له. ﴿أَخْرَجَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. وقيل: متعلقان بفعل محذوف، تقديره:
أعني، والأول أقوى، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَخْرَجَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِأَوَّلِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَخْرَجَ﴾ أيضا، واللام بمعنى: عند، و (أول) مضاف، و ﴿الْحَشْرِ﴾ مضاف إليه.
﴿ما:﴾ نافية. ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ يَخْرُجُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْرُجُوا:﴾ في محل
Juz 9, halaman 588 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.