Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٤٥] ، وَقَدْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الدَّبُّورَ فَأَفْنَاهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسْلٌ. وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا تَقْتَضِي إِلَّا انْقِرَاضَ نَسْلِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وَنَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ وَالتَّعْرِيفُ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الْأَعْرَاف: ٦٤] فِي قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا، فَهُوَ لِلْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ وَهُوَ قَطْعُ دَابِرِهِمْ.
وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ عَطْفٌ عَلَى كَذَّبُوا فَهُوَ مِنَ الصِّلَةِ، وَفَائِدَةُ عَطْفِهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ كِلْتَا الصِّلَتَيْنِ مُوجِبٌ لَقَطْعِ دَابِرِهِمْ: وَهُمَا التَّكْذِيبُ وَالْإِشْرَاكُ، تَعْرِيضًا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَلِمَوْعِظَتِهِمْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْقَصَصُ. وَقَدْ كَانَ مَا حَلَّ بعاد من الاستيصال تَطْهِيرا أوّل لبلاد الْعَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَطْعًا لِدَابِرِ الضَّلَالِ مِنْهَا فِي أَوَّلِ عُصُورِ عُمْرَانِهَا، إِعْدَادًا لِمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنِ انْبِثَاقِ نُورِ الدَّعْوَةِ المحمّديّة فِيهَا.
[٧٣]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ٧٣]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)
الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَإِلى ثَمُودَ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [الْأَعْرَاف:
٦٥] ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَفْسِيرِهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ.
وَثَمُودُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ ثَمُودَ بْنِ جَاثِرَ- بِجِيمٍ وَمُثَلَّثَةٍ كَمَا فِي «الْقَامُوسِ» - ابْن إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ فَيَلْتَقُونَ مَعَ عَادٍ فِي (إِرَمَ)
Juz 8-ب, halaman 215 ›
وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ بِالْحِجْرِ- بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ- بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُسَمَّى الْآنَ مَدَائِنُ صَالِحٍ وَسُمِّي فِي حَدِيثِ غَزْوَةِ تَبُوكٍ: حَجْرَ ثَمُودٍ.
وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ عَبِيلٍ- بِلَامٍ فِي آخِرِهِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ- ابْنِ آسِفَ بْنِ مَاشِجَ أَوْ شالِخَ بْنِ
عَبِيلِ بْنِ جَاثِرَ- وَيُقَالُ كَاثِرَ- ابْنِ ثَمُودَ. وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ اخْتِلَافٌ فِي حُرُوفِهَا فِي كُتُبِ التَّارِيخِ وَغَيْرِهَا أَحْسَبُهُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَهِيَ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ سِوَى عَبِيلٍ فَإِنَّهُ مَضْبُوطٌ فِي سَمِيِّهِ الَّذِي هُوَ جَدُّ قَبِيلَةٍ، كَمَا فِي «الْقَامُوسِ» .
وَثَمُودُ هُنَا مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقَبِيلَةُ لَا جَدُّهَا. وَأَسْمَاءُ الْقَبَائِلِ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّأْنِيثِ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ مَصْرُوفًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود: ٦٨] عَلَى اعْتِبَارِ الْحَيِّ فَيَنْتَفِي مُوجِبُ مَنْعِ الصَّرْفِ لِأَنَّ الِاسْمَ عَرَبِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمُودَ كَانُوا مُشْرِكِينَ، وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي آيَاتِ سُورَةِ هُودٍ وَغَيْرِهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ الَّتِي عَبَدَتْهَا عَادٌ لِأَنَّ ثَمُودَ وَعَادًا أَبْنَاءُ نَسَبٍ وَاحِدٍ، فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ عَقَائِدُهُمْ مُتَمَاثِلَةٌ. وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَنَّ ثَمُودَ قَامَتْ بَعْدَ عَادٍ فَنَمَتْ وَعَظُمَتْ وَاتَّسَعَتْ حَضَارَتُهَا، وَكَانُوا مُوَحِّدِينَ، وَلَعَلَّهُمُ اتَّعَظُوا بِمَا حَلَّ بِعَادٍ، ثُمَّ طَالَتْ مُدَّتُهُمْ وَنَعِمْ عَيْشُهُمْ فَعَتَوْا وَنَسُوا نِعْمَةَ اللَّهِ وَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ صَالِحًا رَسُولًا يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ فَلَمْ يَتْبَعْهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ مُسْتَضْعَفُونَ، وَعَصَاهُ سَادَتُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ، وَذَكَرَ فِي آيَةِ سُورَةِ هُودٍ أَنَّ قَوْمَهُ لَمْ يُغْلِظُوا لَهُ الْقَوْلَ كَمَا أَغْلَظَتْ قَوْمُ نُوحٍ وَقَوْمُ هُودٍ لِرَسُولِهِمْ، فَقَدْ: قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [هود: ٦٢] . وَتَدُلُّ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَمَا فُسِّرَتْ بِهِ مِنَ الْقَصَصِ عَلَى أَنَّ صَالِحًا أَجَلَّهُمْ مُدَّةً لِلتَّأَمُّلِ وَجَعَلَ النَّاقَةَ لَهُمْ آيَةً، وَأَنَّهُمْ تَارِكُوهَا وَلَمْ يُهَيِّجُوهَا زَمَنًا طَوِيلًا.
Juz 8-ب, halaman 216 ›
فَقَدْ أَشْعَرَتْ مُجَادَلَتُهُمْ صَالِحًا فِي أَمْرِ الدِّينِ عَلَى أَنَّ التَّعَقُّلَ فِي الْمُجَادَلَةِ أَخَذَ يَدُبُّ فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ، وَأَنَّ غَلْوَاءَهُمْ فِي الْمُكَابَرَةِ أَخَذَتْ تَقْصُرُ، وَأَنَّ قَنَاةَ بِأْسِهِمْ ابْتَدَأَتْ تَلِينُ، لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ جَوَابِ قَوْمٍ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ، وَبَيْنَ جَوَابِ قَوْمِ صَالِحٍ. وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمْهَلَهُمُ اللَّهُ وَمَادَّهُمْ لِيَنْظُرُوا وَيُفَكِّرُوا فِيمَا يَدعُوهُم إِلَيْهِ نبئهم وَلِيَزِنُوا أَمْرَهُمْ، وَجَعَلَ لَهُمُ الِانْكِفَافَ عَنْ مَسِّ النَّاقَةِ بِسُوءٍ عَلَامَةً عَلَى امْتِدَادِ الْإِمْهَالِ لِأَنَّ انْكِفَافَهُمْ ذَلِكَ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ نُفُوسَهُمْ لَمْ تُحْنِقْ عَلَى رَسُولِهِمْ، فَرَجَاؤُهُ إِيمَانَهُمْ مُسْتَمِرٌّ، وَالْإِمْهَالُ لَهُمْ أَقْطَعُ لِعُذْرِهِمْ، وَأَنْهَضُ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ أَخَّرَ اللَّهُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ إِكْرَامًا لِنَبِيِّهِمُ الْحَرِيصِ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِنُوحٍ: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [هود: ٣٦] .
وَجُمْلَةُ: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِلَخْ، هِيَ مِنْ مَقُولِ صَالِحٍ فِي وَقْتٍ غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيهِ بِالدَّعْوَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ طُوِيَ هُنَا جَوَابُ قَوْمِهِ وَسُؤَالُهُمْ إِيَّاهُ آيَةً كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتُ سُورَةِ هُودٍ وَسُورَةِ الشُّعَرَاءِ، فَفِي سُورَةِ هُودٍ [٦١، ٦٢] : قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا الْآيَةَ. وَفِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٥٣- ١٥٥] : قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ الْآيَة.
فَجُمْلَةُ: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ: اعْبُدُوا اللَّهَ، أَيِ اعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَكُمْ آيَةً عَلَى تَصْدِيقِي فِيمَا بَلَّغْتُ لَكُمْ، وَعَلَى انْفِرَادِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ.
وَقَوْلُهُ: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّ النَّاقَةَ كَانَتْ حَاضِرَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ لِأَنَّهَا نَفْسُ الْآيَةِ.
Juz 8-ب, halaman 217 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.