Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
فَفِي قَوْلِهِ: اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا اسْتِعَارَتَانِ لِأَنَّ السَّبِيلَ مُسْتَعَارٌ لِسَبَبِ الْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ وَالزُّلْفَى.
وَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: إِلى رَبِّهِ بِ سَبِيلًا، أَيْ سَبِيلًا مُبَلِّغَةً إِلَى اللَّهِ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْعُقَلَاءُ فِي شَرَفِ مَا يُوصِلُ إِلَى الرَّبِّ، أَيْ إِلَى إِكْرَامِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرَارَةُ الْخَيْرَاتِ وَلِذَلِكَ عُبِّرَ بِرَبٍّ مُضَافًا إِلَى ضمير فَمَنْ شاءَ إِذْ سَعَادَةُ الْعَبْدِ فِي الْحُظْوَةِ عِنْدَ رَبِّهِ.
وَهَذِهِ السَّبِيلُ هِيَ التَّوْبَةُ فَالتَّائِبُ مِثْلُ الَّذِي كَانَ ضَالًّا، أَوْ آبِقًا فَاهْتَدَى إِلَى الطَّرِيقِ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا إِلَى مَقْصِدِهِ، أَوْ سَلَكَ الطَّرِيقَ إِلَى مَوْلَاهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَة المزمل.
[٣٠]
[سُورَة الْإِنْسَان (٧٦) : آيَة ٣٠]
وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠)
لَمَّا نَاطَ اخْتِيَارَهُمْ سَبِيلَ مَرْضَاةِ اللَّهِ بِمَشِيئَتِهِمْ أَعْقَبَهُ بِالتَّنْبِيهِ إِلَى الْإِقْبَالِ عَلَى طَلَبِ
مَرْضَاةِ اللَّهِ لِلتَّوَسُّلِ بِرِضَاهُ إِلَى تَيْسِيرِ سُلُوكِ سُبُلِ الْخَيْرِ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مِنْهُ بِمَحَلِّ الرِّضَى وَالْعِنَايَةِ لَطَفَ بِهِمْ وَيَسَّرَ لَهُمْ مَا يَعْسُرُ عَلَى النُّفُوسِ مِنَ الْمُصَابَرَةِ عَلَى تَرْكِ الشَّهَوَاتِ الْمُهْلِكَةِ، قَالَ تَعَالَى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [اللَّيْل: ٧] فَإِذَا لَمْ يَسْعَوْا إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّهِمْ وَكَلَهُمْ إِلَى أَحْوَالِهِمُ الَّتِي تَعَوَّدُوهَا فَاقْتَحَمَتْ بِهِمْ مَهَامِهَ الْعِمَايَةِ إِذْ هُمْ مَحْفُوفُونَ بِأَسْبَابِ الضَّلَالِ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ جِبِلَّاتُهُمْ مِنْ إِيثَارِ الشَّهَوَاتِ وَالِانْدِفَاعِ مَعَ عَصَائِبِ الضَّلَالَاتِ، وَهُوَ الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى [اللَّيْل: ١٠] ، أَيْ نَتْرُكُهُ وَشَأْنَهُ فَتَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ الْعُسْرَى، أَيْ تَلْحَقُ بِهِ بِلَا تَكَلُّفٍ وَمُجَاهَدَةٍ.
فجملة وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [الْإِنْسَان: ٢٩] أَوْ حَالًا مِنْ مَنْ يَشاءُ [الْإِنْسَان: ٣١] وَهِيَ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ تَتْمِيمٌ وَاحْتِرَاسٌ.
وَحُذِفَ مَفْعُولُ تَشَاءُونَ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا تَشَاءُونَ شَيْئًا أَوْ
Juz 29, halaman 412 ›
مَشِيئًا وَعُمُومُ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ، أَيْ مَا تَشَاءُونَ شَيْئًا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَوْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَقَدْ عُلِّلَ ارْتِبَاطُ حُصُولِ مَشِيئَتِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، بِأَنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، أَيْ عَلِيمٌ بِوَسَائِلِ إِيجَادِ مَشِيئَتِهِمُ الْخَيْرَ، حَكِيمٌ بِدَقَائِقِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَبْلُغُ إِلَى مَعْرِفَةِ دَقَائِقِهِ بِالْكُنْهِ عُقُولُ النَّاسِ، لِأَنَّ هُنَالِكَ تَصَرُّفَاتٍ عُلْوِيَّةً لَا يَبْلُغُ النَّاسُ مَبْلَغَ الِاطِّلَاعِ عَلَى تَفْصِيلِهَا وَلَكِنْ حَسْبُهُمْ الِاهْتِدَاءُ بِآثَارِهَا وَتَزْكِيَةُ أَنْفُسِهِمْ لِلصَّدِّ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيهَا.
وَمَا نَافِيَةٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ الْأَشْيَاءِ الْمَشِيئَةِ وَأَحْوَالِهَا وَأَزْمَانِهَا، وَلَمَّا كَانَ مَا بَعْدَ أَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ حَرْفَ مَصْدَرٍ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يُقَدَّرُ مَصْدَرًا، أَيْ إِلَّا شَيْءَ اللَّهِ (بِمَعْنَى مَشِيئَتِهِ) ، وَهُوَ صَالِحٌ لِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَلِاعْتِبَارِ الْحَالَةِ، وَلِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ صَالِحٌ لِإِرَادَةِ الثَّلَاثَةِ بِاخْتِلَافِ التَّأْوِيلِ فَإِنْ قُدِّرَ مُضَافٌ كَانَ الْمَعْنَى: إِلَّا حَالَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، أَوْ إِلَّا زَمَنَ مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضَافٌ كَانَ الْمَعْنَى: لَا مَشِيئَةَ لَكُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا تَبَعًا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
وَإِيثَارُ اجْتِلَابِ أَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يكون فعلا تَشاؤُنَ ويَشاءَ اللَّهُ مُنْزَلَيْنِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ فَلَا يُقَدَّرَ لَهُمَا مَفْعُولَانِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ:
أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعٍ وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَحْوَالٍ، أَيْ وَمَا تَحْصُلُ مَشِيئَتُكُمْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي حَالِ حُصُولِ مَشِيئَةِ اللَّهِ. وَفِي هَذَا كُلِّهِ إِشَارَةٌ إِلَى دِقَّةِ كُنْهِ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ تِجَاهَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي جَمَعَ الْأَشْعَرِيُّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالْكَسْبِ، فَقِيلَ فِيهِ «أَدَقُّ مِنْ كَسْبِ الْأَشْعَرِيِّ» .
فَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهُ النَّاسِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الْخَفِيِّ لِيَرْقُبُوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَيَجِدُوا آثَارَهُ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ قَائِمَةً مُتَوَافِرَةً، وَلِهَذَا أُطْنِبَ وَصْفُ هَذِهِ الْمَشِيئَةِ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً فَهُوَ تَذْيِيلٌ أَوْ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الْإِنْسَان: ٣١] ، أَيْ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَهُ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ فَهُوَ أَعْلَمُ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي رَحْمَتِهِ وَمَنْ شَاءَ أَبْعَدَهُ عَنْهَا.
Juz 29, halaman 413 ›
وَهَذَا إِطْنَابٌ لَمْ يَقَعْ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ عبس [١١، ١٢] : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ لِأَنَّ حُصُولَ التَّذَكُّرِ مِنَ التَّذْكِرَةِ أَقْرَبُ وَأَمْكَنُ، مِنَ الْعَمَلِ بِهَا الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالسَّبِيلِ الْمُوصِلَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ صُرِفَتِ الْعِنَايَةُ وَالِاهْتِمَامُ إِلَى مَا يُلَوِّحُ بِوَسِيلَةِ اتِّخَاذِ تِلْكَ السَّبِيلِ.
وَفِعْلُ كانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَصَفَهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لِأَنَّهُمَا وَاجِبَانِ لَهُ.
وَقَدْ حَصَلَ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَنِهَايَتِهَا ثُبُوتُ مَشِيئَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مَشِيئَةُ الْعِبَادِ، وَالْأُخْرَى مَشِيئَةُ اللَّهِ، وَقَدْ جَمَعَتْهُمَا هَذِهِ الْآيَةُ فَكَانَتْ أَصْلًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ مُتَعَارِضِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُقْتَضِي بَعْضُهَا بِانْفِرَادِهِ نَوْطَ التَّكَالِيفِ بِمَشِيئَةِ الْعِبَادِ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي شَاءُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُقْتَضِي بَعْضُهَا الْآخَرُ مَشِيئَةً لِلَّهِ فِي أَفْعَالِ عِبَادِهِ.
فَأَمَّا مَشِيئَةُ الْعِبَادِ فَهِيَ إِذَا حَصَلَتْ تَحْصُلُ مُبَاشَرَةً بِانْفِعَالِ النُّفُوسِ لِفَاعِلِيَّةِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَأَمَّا مَشِيئَةُ اللَّهِ انْفِعَالُ النُّفُوسِ فَالْمُرَادُ بِهَا آثَارُ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي إِنْ حَصَلَتْ فَحَصَلَتْ مَشِيئَةُ الْعَبْدِ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ شَاءَ لِعَبْدِهِ ذَلِكَ وَتِلْكَ الْآثَارُ هِيَ مَجْمُوعُ أُمُورٍ تَتَظَاهَرُ وَتَتَجَمَّعُ فَتَحْصُلُ مِنْهَا مَشِيئَةُ الْعَبْدِ.
وَتِلْكَ الْآثَارُ هِيَ مَا فِي نِظَامِ الْعَالَمِ وَالْبَشَرِ مِنْ آثَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ مِنْ تَأْثِيرِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَتَكْوِينِ الْخِلْقَةِ وَتَرْكِيبِ الْجِسْمِ وَالْعَقْلِ، وَمَدَى قَابِلِيَّةِ التَّفَهُّمِ وَالْفَهْمِ وَتَسَلُّطِ الْمُجْتَمَعِ وَالْبِيئَةِ وَالدِّعَايَةِ وَالتَّلْقِينِ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، مِمَّا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ إِصَابَةٍ أَوْ خَطَأٍ، فَإِذَا اسْتَتَبَّتْ أَسْبَابُ قَبُولِ الْهُدَى مِنْ مَجْمُوعِ تِلْكَ الْآثَارِ وَتَلَاءَمَ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ أَوْ رَجَحَ
خَيْرُهَا عَلَى شَرِّهَا عَرَفْنَا مَشِيئَةَ اللَّهِ لِأَنَّ تِلْكَ آثَارُ مَشِيئَتِهِ مِنْ مَجْمُوعِ نِظَامِ الْعَالَمِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِأَنَّهَا تَسْتَتِبُّ لِفُلَانٍ، فَعِلْمُهُ بِتَوَفُّرِهَا مَعَ كَوْنِهَا آثَارَ نِظَامِهِ فِي الْخَلْقِ وَهُوَ مَعْنَى مَشِيئَتِهِ، وَإِذَا تَعَاكَسَتْ وَتَنَافَرَ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ وَلَمْ يَرْجَحْ خَيْرُهَا عَلَى شَرِّهَا بَلْ رَجَحَ شَرُّهَا عَلَى خَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرْدِ مِنَ النَّاسِ تَعَطَّلَ وُصُولُ الْخَيْرِ إِلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَشَأْهُ، عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ لَهُ قَبُولَ الْخَيْرِ وَعَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِمَا حُفَّ بِذَلِكَ الْفَرْدِ، فَذَلِكَ مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ لَهُ الْخَيْرَ، أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ شَاءَ لَهُ أَنَّ يَشَاءَ الشَّرَّ، وَلَا مُخَلِّصَ لِلْعَبْدِ مِنْ هَذِهِ الرِّبْقَةِ إِلَّا إِذَا تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ عِنَايَةٌ مِنَ اللَّهِ وَلُطْفٌ فَكَوَّنَ كَائِنَاتٍ إِذَا دَخَلَتْ تِلْكَ الْكَائِنَاتُ فِيمَا
Juz 29, halaman 414 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.