تنبيه: اختلف في حكم هذه الآية، هل هو منسوخ أم لا؟ فقال قتادة وعكرمة والحسن: حكمها منسوخ بآية السيف، وقالوا: نسخت سورة براءة كل موادعة حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وقيل: إن حكمها غير منسوخ لكن الآية تتضمن الأمر بالصلح، إذا كان فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين، فإن رأى الإمام أن يصالح أعداءه من الكفار، وفيه قوة، فلا يجوز أن يهادنهم أكثر من سنة، وإن كانت القوة للمشركين جاز أن يهادنهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله ﷺ.
والمعتمد: أنه يجوز المهادنة مع قوة المسلمين، وشدة شكيمتهم، فقد هادن الرسول ﷺ أهل خيبر، وهادن الضمري في غزوة الأبواء، وهادن أكيدر سيد بني كندة، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرحناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة، فقد صالح أصحاب رسول الله ﷺ في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.
الإعراب: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جَنَحُوا﴾: ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، الواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِلسَّلْمِ،﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَاجْنَحْ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اجنح): أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:
«أنت». ﴿لَها﴾: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَاجْنَحْ لَها﴾ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وجملة:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ معطوفة على جملة جواب الشرط، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿إِنَّهُ﴾: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ﴾: فيه ثلاثة أوجه: الأول اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل. والثاني: اعتباره ضمير فصل لا محل له من الإعراب. وعلى هذين الوجهين فالسميع خبر إن. الثالث: اعتباره مبتدأ، و ﴿السَّمِيعُ﴾ خبره، و ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ أي: الكفار. ﴿أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾: بأن يظهروا لك السلم والمهادنة، ويبطنوا الغدر والخيانة، فاجنح لما طلبوا ظاهرا، وما عليك من نياتهم الفاسدة، وما أحراك أن تنظر الخداع
Juz 4, halaman 80 ›
والمخادعة في الآية رقم [٩] البقرة والآية رقم [١٤٢] النساء، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ أي: كافيك بنصره ومعونته. وانظر الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وخذ قول جرير في هجاء: [الكامل]
إنّي وجدت من المكارم حسبكم... أن تلبسوا خزّ الثّياب وتشبعوا
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: شد أزرك، وقواك بنصره يوم بدر وفي سائر أيامك بالمؤمنين من الأنصار، قال النعمان بن بشير ﵁: نزلت في مدح الأنصار. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج بعد أن كانوا أعداء، وحرب بعاث دامت بينهم أربعين سنة، وكان تآلف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من معجزات النبي ﷺ؛ لأن أحدهم، كان يلطم اللطمة، فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وأكبر دليل على ذلك حرب بعاث بين الأوس والخزرج، وحرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وحرب البسوس بين بني بكر وبني تغلب، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بينهم بالإيمان، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وآية المجادلة الأخيرة أكبر دليل على ذلك.
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ: هذا بيان من الله ﷿: أنه هو الذي ألف بين قلوب العرب، وأن القلوب بيده يصرفها كيف يشاء ويريد، ولو أن منفقا أنفق جميع الأموال الموجودة في الأرض بسبيل تأليف قلوب العرب؛ لما أمكنه ذلك، إلا أن يشاء الله ويريد ذلك بقدرته وحكمته البالغة. إنه عزيز حكيم، انظر الآية رقم [١٠] و [٥٠]. هذا؛ وبين ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم، هذا؛ والبين: الفراق والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود والأبيض، ومن استعماله بمعنى الفراق والبعاد، قول كعب بن زهير ﵁ في قصيدة البردة: [البسيط]
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول
الإعراب: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾: هو مثل: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ في الآية السابقة، و ﴿أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به لفعل الإرادة، وقد صرح به لأنه شيء مستغرب، انظر الآية رقم [٨٩] (الأعراف). ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل.
﴿حَسْبَكَ﴾: اسم إن، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله.
﴿اللهَ﴾: خبر (إن)، وهو في المعنى فاعل بالمصدر، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ في محل جزم جواب الشرط في الظاهر، وعند التأمل يتبين لك: أن جواب الشرط محذوف، تقديره: فصالحهم، ولا تخف من كيدهم؛ وعليه فجملة: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ تعليل لهذا المحذوف، وانظر الشرح. ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر. ﴿أَيَّدَكَ﴾: ماض والفاعل يعود إلى الذي تقديره: «هو»، وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿بِنَصْرِهِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله،
Juz 4, halaman 81 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.