الخامس في شجاعته (¬١): كان يقال إنه لم يُر على ظهر الفَرس أحسن ولا أثبت منه، وكان حسن اللعب بالأكرة (¬٢)، وربما ضربها، ثم يسوق وراءها، ويأخذها من الهواء بيده، ثم يرميها إلى آخر الميدان، ولم يُرَ جوكانه (¬٣) يعلو على رأسه، ولا يرى الجوكان في يده؛ لأن الكم ساتر لها. كان شجاعا صبورا في الحرب، يضرب به المثل في ذلك، وكان يقول: قد تعرضت للشهادة غير مرة. فقال له يوما الفقيه قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا [لا] (¬٤) تخاطر بنفسك؛ فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد. فقال: أسكت يا قطب الدين، من هو محمود؟! [و] (¬٥) من كان يحفظ البلاد قبلى؟! الله الذي لا إله إلا هو. قال: فبكى من حضر. وكان إذا حضر الحرب شد تركاشين (¬٦)، وحمل قوسين، وباشر الحرب بنفسه، وشجاعته ظاهرة في غزواته وفتوحاته على ما ذكر في السنين المتقدمة.
السادس في ورعه وزهده: وقال ابن الأثير في تاريخه (¬٧): قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين من قبل الإسلام إلى يومنا هذا، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ﵃ ملكًا أحسن سيرة من نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه.
وقال الحافظ ابن عساكر (¬٨) ﵀: وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف فيما يخصه إلا من مِلك اشتراه من سهمه من غنائم الكفار، وكان يُحضر الفقهاء ويستفتيهم فيما يحل له من تناول الأموال، فأفتوه من جهات عينوها، فلم يتعد إلى غيرها، ولم