﴿هُوداً﴾ جمع هائد، أي تائب، من قوله تعالى: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦/ ٧] أي تبنا، وهو خبر كان المنصوب.
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ الجملة حال.
البلاغة:
﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ﴾ جملة اعتراضية لإبطال دعواهم، مكونة من مبتدأ وخبر. ﴿قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمر للتبكيت والتقريع.
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ خصّ الوجه بالذكر، لأنه أشرف أجزاء الإنسان. والوجه هاهنا استعارة، والمعنى: من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، ولا يعبد سواه. ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ العندية للتشريف، وإظهار اسم الرب محل الضمير لإظهار مزيد اللطف به.
﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيه توبيخ شديد لأهل الكتاب، لأنهم جعلوا أنفسهم بمنزلة من لا يعلم شيئا أصلا.
المفردات اللغوية:
﴿هُوداً﴾ جمع هائد، وهم اليهود. ﴿أَوْ نَصارى﴾ أتباع المسيح، قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران، لما تناظروا بين يدي النّبي ﷺ، أي قال اليهود: لن يدخلها إلا اليهود، وقال النصارى: لن يدخلها إلا النصارى. ﴿تِلْكَ﴾ القولة ﴿أَمانِيُّهُمْ﴾ شهواتهم الباطلة، الأماني: جمع أمنية، وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه. والعرب تسمي كل ما لا حجة عليه ولا برهان له تمنيا وغرورا، وضلالا وأحلاما. ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ حجتكم على ذلك.
﴿بَلى﴾ يدخل الجنة غيرهم، وهو ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ جعل وجهه خالصا لله، وانقاد له، فإسلام الوجه لله: هو الانقياد له والإخلاص له في العمل، بحيث لا يتخذ وسيطا بينه وبين ربه. وخصّ الوجه، لأنه أشرف الأعضاء، فغيره أولى، قال الفخر الرازي: إسلام الوجه لله يعني إسلام النفس لطاعة الله، وقد يكنى بالوجه عن النفس، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨/ ٢٨]. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ موحّد. ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي ثواب عمله الجنة. ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة.
﴿عَلى شَيْءٍ﴾ معتد به، وكفرت اليهود بعيسى، وكفرت النصارى بموسى. ﴿يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ كل من الفريقين يتلون الكتاب المنزل عليهم، وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي
كتاب النصارى تصديق موسى. ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اي كما قال المشركون من العرب وغيرهم. ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ بيان لمعنى ذلك، أي قالوا لكل ذي دين: ليسوا على شيء. ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.﴾. في أمر الدين، فيدخل المحق الجنة، والمبطل النار.
سبب نزول الآية (١١٣):
نزلت في يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران، وذلك أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله ﷺ أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، فكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬١).
التفسير والبيان:
لقد نجم عن عدم إيمان أهل الكتاب بالقرآن وبمحمد ﷺ ضلال وتمزق وانقسام شديد بسبب اتباع الأهواء، أما اليهود وهم أسوأ حالا من النصارى فلهم حالان: الأولى-تضليل من عداهم، وادعاؤهم أنهم شعب الله المختار، وأن النبوة مقصورة عليهم. والثانية-تضليل اليهود للنصارى، وتضليل النصارى لهم، مع ان التوراة شريعة للنصارى، والإنجيل متمم للتوراة.
ومعنى الآية: أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، وكل طائفة منهما تكفّر الأخرى. تلك تمنياتهم الباطلة التي لا أساس لها، ولا فائدة منها، وإلا فهاتوا البرهان على ما تزعمون أيها اليهود والنصارى، إن كنتم صادقين، فليست المسألة مجرد دعوى. وهذا وإن كان ظاهره طلب الدليل على صدق المدّعى، فهو في
العرف تكذيب للدعوى، لأنه لا برهان لهم عليها. وفي هذا إيماء إلى أنه لا تقبل دعوى من دون برهان عليها.
ثم ردّ الله عليهم بقوله: ﴿بَلى﴾ كلمة تفيد الجواب لإثبات نفي سابق، وردّ لما زعموه، فإن الذي يدخل الجنة من لم يكن هودا أو نصارى، وهو كل من انقاد لله وأخلص في عمله، وهو محسن في عبادته وعمله واعتقاده، وهؤلاء لهم الأجر عند ربهم بلا خوف ولا حزن في الآخرة، خلافا لعبدة الأوثان والأصنام الذين هم في خوف مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم.
والآية تدل على أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بدّ من إحسان العمل أيضا، وجرت سنة القرآن أن يقرن الإيمان بالعمل الصالح، مثل قوله تعالى:
واشتدّ الخصام والنزاع بين أهل الكتاب، فلم يكتفوا بما سبق، بل قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين يعتدّ به، فلا يؤمنون بالمسيح الذي بشّرت به التوراة، ولا يزالون إلى اليوم يدّعون أن المسيح المبشّر به لما يأت بعد، وينتظرون ظهوره، وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل. وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء من الدين الصحيح، فأنكروا تتميم المسيح لشريعة اليهود.
قالوا ذلك والحال أنهم أصحاب كتاب يدّعون تلاوته ويؤمنون به، فالتوراة تبشر برسول منهم يأتي بعد موسى، والإنجيل يقول: إن المسيح جاء متمما لناموس (شريعة) موسى، لا ناقضا، فلو أن اليهود تؤمن بالتوراة، والنصارى تؤمن بالإنجيل، لما قالوا مثل ذلك، لأن كل كتاب نزل من عند الله، مصدقا لما